فهرس الكتاب
ويتولى الصحافة والصحف في القرن العشرين محررون نابهون كثيرون أخذوا يبسطون أساليبهم الصحفية تبسيطًا لا ينزل بها إلى مستوى العامة والابتذال ، وفي نفس الوقت لا تعلو عليهم ولا ترتفع بحيث يشعرون بشيء من العسر في قراءتها وفهمها ، أساليب سهلة وواضحة حتى لا يعزفهمها على الطبقات الدنيا في الشعب إذ تريد الصحف أن تذيع وتنتشر في جماهيره . ومن أجل ذلك يحتاج الصحفي دائمًا إلى التبسيط في تفكيره وأسلوبه . وإذا كانت الفكرة التي يريد أن يبلغها إلى الجماهير الشعبية مرتفعة في نفسها حاول بكل ما يستطيع أن يبسطها إلى أقصى حد، حتى تكون واضحة للجماهير ، وحتى لا تجد أي مشقة في فهمها ، ولابد أن يختار لها فصحى سهلة مبسطة غاية التبسيط . ومع تعاقب العقود في القرن الحاضر بلغت الصحافة المصرية من تبسيط الفصحى أقصى حد ممكن .
والصحافة - بذلك - أنشأت لنا فصحى جديدة بين العربية الموروثة والعامية التي نتداولها في حياتنا اليومية ، ففيها فصاحة الأولى ، وفيها سهولة الثانية وقربها من الأفهام . وأتاحت الصحافة المصرية لهذه الفصحى المصرية الجديدة أن تنتشر لا في مصر وحدها بل في العالم العربي جميعه، إذ تقبل عليها الجماهير القارئة في البلاد العربية في لبنان وسوريا والأردن والعراق والحجاز والسودان وبلدان المغرب ، وأصبحت الفصحى الصحفية المصرية هي الفصحى الشائعة في البلاد العربية . وتكثر الصحف في مصر والعالم العربي منذ منتصف القرن الحاضر، حتى ليصدر منها يوميا مئات وتكثر معها المجلات الأدبية ويبلغ قراء بعض الصحف في مصر مليونا وأكثر ، وأعجب أن يقول بعض الكتاب إننا في حاجة إلى لغة وسطى بين اللغة الموروثة والعامية ، والصحافة قد أوجدت له هذه اللغة وهو والجماهير يحملونها ويقرءونها صباح مساء، ولو جمعت في أي بلد عربي لتكونت منها تلال .