فهرس الكتاب
ومن حين إلى حين منذ أواخر القرن الماضى إلى اليوم يدعو بعض أصحاب العامية إلى استبدالها بالفصحى في الكتابة الأدبية محتجين بأنها لغة التخاطب والحديث في الحياة اليومية وأنها ألصق بالنفوس وأصدق في التعبير عن الخواطر ، وفاتهم أن ذلك إنما يشعر به من لا يُتقن الفصحى ولا يستطيع الإنابة بها عن خوالجه، ومن المؤكد أن العامية على الرغم من طواعيتها لنا في الحديث كل الطواعية لا تحمل لنا علما ولا فكرا عميقا ولا نظريات سياسية أو اقتصادية ولا تشريعات وقوانين ولا دراسات سيكولوجية أو اجتماعية ولا دينا وأعمالا روحية،إنها لهجة قلما تحمل لنا أعمالا وراء مطالب الحياة والفكر اليومى ، وفيم إذن هذه الخصومة التى يثيرها في الحين بعد الحين ضد الفصحى بعض كتاب العامية؟ وفيم هذا النضال؟. وأنا موقن أن هذه الخصومة لم تحدث في العصور والحقب السالفة قبل العصر الحديث فلم يحدث أن أحدا ممن كان يكتب الأزجال أو يكتب السير والقصص الشعبية في العصور الوسطى لهج ضد الفصحى مطالبا بأن تحل العامية في أدب أسلافنا محلها ، وبالمثل لم يدع أحد من أصحاب الفصحى ضد العامية وأعمالها، بل كانت دائما الطائفتان من الكتَّاب بالفصحى والكتَّاب بالعامية يتعايشان في وئام وسلام. وظل أهل الفصحى إلى عصرنا يرتضون من الكتَّاب بالعامية ما يكتبونه أزجالا أو أشعارا عامية أو قصصا وأقاصيص أو مسرحيات ، فلهم حريتهم كاملة فيما يكتبون ولا يتعرضون لهم أىَّ تعرض، وكان ينبغى أن يجاريهم مَنْ يدعون للكتابة بالعامية فلا يثيرون ضد الفصحى أى خصومة لأنها هى الأم وهى الأقوى بكنوزها الأدبية والعلمية ، وهى التى تملك من أفراد الشعب المصرى - ومن أفراد دعاة العامية أنفسهم في رأينا - أفئدتهم وعقولهم وقلوبهم ، بدليل نراه تحت أبصارنا ولا يغيب عنا ، وهو أن الصحف التى تخاطب الشعب المصرى - منذ أواسط القرن الماضى إلى اليوم - تتخذ الفصحى أداة في مخاطبته ، ويقرؤها يوميا في مصر