فهرس الكتاب

الصفحة 1546 من 4462

ومع هذا كله لابد من الحفاظ على أصالة اللغة الدارجة في كل بلد عربي لما تتضمنه من روح الجزالة والبيان الأول . وقد فطن الأوائل إلى أن جزالة العربية قد داخلها لين الحضارة فلم يستشهدوا بجيل يشار على قوة تعبيرهم وتمكنهم من جوهر فصاحة اللغة وختموا باب الاستشهاد بابن هرمة وبالغ أبو عمرو بن العلاء فكره الاستشهاد بابن قيس الرقيات على فضله ولم يتابعه في ذلك العلماء . وذكر ابن جني في الخصائص أن فصاحة العرب الأولى بقيت منها بقايا إلى زمانه إذ مرّ بأعراب بالبادية قال أحدهم وهو يخاطبه ( يحير ) فأصلحه صاحب له فقال ( يحار ) وعلق ابن جني على ذلك بوصف المتنبي بالصدق فيما يقول .

والخبر الذي ساقه ابن جني عن أبي الطيب عظيم الأهمية لدلالته على لون مما نذهب إليه من أن فصاحة البداوة الأولى لن تزال إلى يومنا هذا باقية منها بقايا وعلينا أن نتفطن إلى ذلك . وعلينا أن نتنبه إلى أن رسائل الإعلام والتواصل الحديثة ربما عصفت بهذه البقية النادرة الباقية ومن أول أوجه التنبه أن نقف الحملة الجائرة عليها فلا ينبغي أن نحسب أنها شيء معاد للسان الأول الفصيح بل شيء داعم له ومعين على المحافظة عليه . ولعلنا كلما ابتعدنا عنه نبتعد من حيث لا نشعر عن أصول الفصاحة والجزالة . ولعلنا إن تأملنا بعض ما بأيدينا من كتب اللغة والنحو أن نفطن إلى أنها قد غفلت عن أشياء مازالت تحتفظ بها اللغة الدارجة مثلا شاف يشوف . في كتب اللغة معناها جلا ويستشهد بيت عنترة:

ولقد شربت من المدامة بعدما

... ركد الهواجر بالمشوف المعلم

وتذكر بعد اشتقاقات وكلمات كلها يمكن أن نستنبط منها بيسر وبلا تكلف أن الاستعمال الدائر السائر في كل بلاد العربية الآن من أن شاف معناها نظر ورأى صحيح - قالوا وذكر ذلك صاحب التاج عن ابن الأعرابي بعث القوم شيّفة لهم أي طليعة ومن الشواهد قول قيس بن العيزارة الهذلي:

وردنا الفضاض قبلنا شيفاننا

... بأرعن ينفي الطير عن كل موقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت