فهرس الكتاب
أقول: كان ينبغي لأهل التصحيح أن يبعدوا عنهم ما سُطر في كتب النحو ، وينظروا إلى استعمال النحاة في كتبهم الأخرى غير النحوية . لم ينظروا مثلا في لغة المبرد في"الكامل"و"الفاضل ، ولم ينظروا في الفائق"للزمخشري ، ولم ينظروا في كتب القرآن الأخرى .
أقول: كأن أولئك قد وجدوا أن العربية واسعة ، وكأن الإمام الشافعي قد أدرك
ضيق اللغويين والنحويين في باب التوكيد فقد ورد من كلامه في"المواهب الفتحية": جاء عامة القوم ، وأخذ عامة المال ، وبقي عامة النهار . (1) وقد تجد في"الكشاف"للزمخشري قوله:"كافة الأحوال"أو نحو هذا .
وقالوا مثلا: لا تدخل"قد"على فعل منفي فلا يقال: قد لا يكون هذا ، ولكني وجدت هذا لدى أصحاب المعجمات. وكأني وجدت النحاة واللغويين الذين سطروا في كتبهم ما عرفناه من قواعد النحو والصرف غير مزودين فيما ذهبوا فيه بكثير مما ورد في كلام أهل اللسن والفصاحة . وإذا كان هذا قد حصل فكيف يتصدى مصحح قديم فيصحح معتمدًا على ما قرره النحويون ؟ لقد قال النحاة مثلا بعدم جواز وصف ما يُكسَّر في الجمع بـ"فعلاء"فلا يقال مثلا:"صحائف بيضاء"لأن الصواب"صحائف بيض"، وكأنهم تبعوا في استقرائهم الناقص ما ورد من قوله تعالى: ومن الجبال جدد بيض
وحُمر مختلف ألوانها وغرابيب سُود" (1) "
وفاتهم أن طرفة بن العبد من شعراء الجاهلية قال:
وفيهم رأينا الغيم فيه كأنه
... سماحيق تُربٍ وهي حمراء حَرْجَفُ
والمسألة بالخيار ، وفي العربية سعة، وهذا جائز مثل أن يأتي الوصف لما هو مجموع جمعا لقول الأعشى:
الواهب المئة الهجان وعيدها
... عُوذًا تُزَجّي خلفها أطفالها
وقد جاءت"المئة الهجان"موصوفة بـ"فعلاء"في قول الحطيئة:
الواهب المئة الهجا
... ن معًا لها وَبَرٌ مظاهِرْ
دهماء مدفأة الشتا
... ء كأن بركتها حظائر
ومن هذا الذي ذهبوا فيه التخطئة وهو صحيح بدلالة وروده في قول امرئ القيس:
تبيت لبوني بالقُرِّية أُمَّنا