فهرس الكتاب
عربيات وآباؤهم عرب. وينبغي ألا نغفل أن يكون شيء مما عرض للعربية من ابتعاد عن الصواب يسبب ما عرفه المجتمع الإسلامي في القرنين الأول والثاني من العبيد الرقيق والجواري غير العربيات . لقد عرفنا من هذا من الصحابة الأولين بلال بن رباح أول من رفع الأذان في عهد رسول الله وهو عبد حبشي لابد أن يكون ذا لكنه حبشية . وإلى هذا يومئ قوله تعالى:"لسان الذي يُلحدون إليه أعجمي" (2) . وذكر الجاحظ أن سحيم عبد بني الحسحاس كان يرتطن لكنه أجنبية وكان يقول:"سعرت"بدلا من"شعرت" (3) . وفي الأغاني أنه روي عنه قوله:"أهسنت"بدلا من"أحسنت" (4)
وقال ابن قتيبة في الشعر والشعراء (5) ، وابن جني في"سر الصناعة"كما أفدت مما في خزانة الأدب (6) : إنه كان يقول: أحسنك بدلا من أحسنت . والكاف ضمير للمفرد المتكلم في الحبشية .
أقول: قد يحمل هذا الاختلاف فيما
روي في جملة هذه المصادر إلى بعض النقص في الاستقراء والبحث .
ولعلنا ندرك ما عرض لعربية أهل البصرة من فساد إذا وقفنا على تأثير الفارسية وظهورها في أسماء البلدان والمواضع والأنهار ، (1) ومجيئها مختومة بالألف والنون للنسب كما في مهلبان وأميتنان وعبادان وغيرها . (2)
على أن هذا لم يمنع أن يكون أولئك الداخلون أصحاب فصاحة ، والجاحظ يشير مثلا إلى موسى الأسراري وبصفة فيقول: إنه كان من أعاجيب الدنيا ، وكانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية ، وكان يجلس في مجلسه المشهور به ، فيجلس العرب عن يمينه ، والفرس عن يساره ، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية ، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يُدري بأي لسان هو أبين . (3)
ولم تسلم عربية أهل الكوفة مما عرض لها من ضيم ، فقد عرفت هذه المدنية أفواجا
من غير العرب اتخذوها موطنا لهم بعد عصر الفتوحات الأولى . إنهم بقية الجيش الفارسي بقيادة رستم في حرب القادسية.