فهرس الكتاب
تعد الأخطار الناجمة عن قصور الحوار بين التيارات الثقافية في المجتمعات أخطارًا شديدة . وفي مقدمة هذه الأخطار غلو في الرأي والموقف ، يتزايد ويتصاعد مع استمرار القصور في الحوار، يتجلى في التطرف والبعد عن الوسطية، ويولد ردود أفعال . ويؤدي هذا الغلو إلى اهتزاز الهوية في المجتمع، ومن ثم إلى المساس بوحدة المجتمع الوطنية ، ويحول بذلك دون الوصول إلى المشروع الوطني الذي يلتقي عليه الجميع.
الأمثلة على الأزمات السياسية التي تنشأ عن تفاعل الأخطار، نراها في أماكن مختلفة من عالمنا، في إقليم الباسك وإسبانيا في شبه جزيرة أيبريا، وفي أيرلندة الشمالية وبريطانيا، وفي الفلبين وفي البلقان. ونذرها تتتالى في الأمريكتين . كما نراها في دائرتنا الحضارية الإسلامية ، في تركيا وفي أفغانستان وفي كشمير. ونراها في قلب هذه الدائرة في وطننا العربي في الجزائر بعد أن اكتوينا بنارها في لبنان ، ونرى نذرًا لها في أكثر من قطر عربي .
الغلو في الرأي والموقف ، الناجم عن قصور الحوار بين التيارات الثقافية ، تجلى في كتابات أهل قلم من التيارين الانغماسي والانكماشي تناولت قراءة تاريخنا والحديث عن واقعنا واقتراح ما يكون عليه مستقبلنا . وما أسخن المعارك التي نشبت بسبب هذه الكتابات . ويتداعى إلى الخاطر مثلا عليها، اعتبار البعض غزو بونابرت لمصر وحملته العسكرية عليها وعلى فلسطين بداية النهضة في مصر. وقد بلغ الأمر بواحد من المغالين أن نسب إلى هذه الغزوة بناء"مؤسسة الديوان"الذي كان قائمًا عبر تاريخ طويل، فضلا عن أمور أخرى لاسند تاريخي لها، ساكتًا في الوقت نفسه عن جرائمها الفظيعة وكونها عدوانًا صارخًا . وها نحن لا نزال نرى اليوم بقايا هذا الغلو بمناسبة مضي قرنين على ذلك العدوان الصارخ ، متمثلا في قضية الاحتفال بذكراه .