فهرس الكتاب

الصفحة 1626 من 4462

ما أخطر هذا الغلو حين يحكم سياسات تتبناها حكومات في تعالمها مع التيارات الثقافية المختلفة في المجتمع ، فتعمد إلى حرمان واحد منها من التعبير عن نفسه، وترفض الحوار معه فارضة عليه عزلة وحصارًا، ومقاومة حوار التيارات الأخرى معه، ومحاولة استمالتها في إحكام العزلة والحصار عليه. الأمر الذي يؤدي إلى لجوئه للنزول تحت السطح والوقوع في أسر رد فعل مغالٍ. وفي ظل هذا الوضع يتعرض المجتمع بسبب التضييق على حرية التعبير المسؤولة إلى"نقص مناعة"، يؤدي إلى بروز عنف في العلاقة التي تحكم السلطة والناس. ويؤثر هذا العنف على مختلف جوانب الحياة في المجتمع، وعلى جيل الشباب بخاصة. ذلك أن بعض هؤلاء الشباب ينساقون إلى دورة العنف هذه بحكم نزوع جيلهم إلى المغالاة ، كما يفر بعضهم منها بعيدًا عن المشاركة في الحياة العامة، وأحيانًا من الحياة نفسها بالعيش في عالم وهمي تصنعه كيماويات"تسطل".

في ظل نقص الحوار بين تيارات الثقافة، وغلبة الغلو والمغالاة والمغالين على النطق بلسان كل منها والتعبير عنها، تعاني مناهج التربية والتعليم من عجز عن إقامة جسور الحوار في المجتمع وتمثل ثقافاته وحضارته، الأمر الذي يؤدي إلى اهتزاز الهوية، ويفعل الإعلام المعبر عن عزلة كل تيار فعله في هذا الاهتزاز واصلا به إلى مداه، وفاتحا الباب أمام صراع ثقافي لا يلبث أن يتفجر حربًا أهلية، تفسح المجال لتدخل عامل خارجي يستغلها لإضعاف الأمة والتسلط عليها واستنزافها اقتصاديًا بتسويق أسلحته لها، وتمزيقها نفسيًّا بفعل العداء المستشري بين الأخوة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت