فهرس الكتاب
يَتصدَّى لدراسة الأفذاذ من أعلام الأدب والعلم والفن أن يبحثَ عن مفتاحٍ للشخصيةٍ التى يَدْرُسُها، حتى يَتَسنَّى له الدخول إلى عالَمِها الحافلِ بجلائلِ الأعمال _ فإننى حين أَمعنتُ في النظر إلى شخصية محمد شوقى أمين، بأعوامِ عمرِه الثمانين، وجدْتُ مِفتاحَ شخصيتهِ الجليلةِ النبيلةِ مُتمثّلًا فى"الإيثار"، وقد تَطَوَّر"الإيثارُ"لديه حتى صار طبعًا وسليقة، ثم تَصاعَدَ حتى صار"إنكارًا للذات"!
وكم كنتُ حين أراه غارقًا في طُوفان من شواغِله بالآخرين، أَصيح به في احتجاجٍ ودُود: أين أنت يا رجل ؟ !
فكان يُجِيبُنِى مازحًا على طريقة اللغويين والنحاة:
"أَىٌّ هكذا خُلِقَتْ !"
وكان يُضِيفُ أحيانًا بعد أن يُجَلْجِلَ بضِحْكتِه المعهودة:
هذا قَدَرِى يا إبراهيم، وإنى واللهِ لَراضٍ به، بل سعيد !
ولقد صَدَقَ واللهِ فيما قال .. فشوقى أمين قد تَخلَّى عن شوقى أمين منذ شبابه الباكر !
وكان والدُه الشيخُ"أمين العالم"من علماء الأزهر، له حلقةُ درسٍ ووعظ يَعْقِدُها في بعض مساجدِ القاهرة، ولكنه حين طَعَنَ في السِّنّ، ووَهَنَ العَظْمُ منه، وأَدركَه عَجزُ الشيخوخة، وأَقعدَه المرض، نهض ولدُه الأكبرُ شوقى، فحملَ عنه أمانةَ أُسرتِه، فكان راعِيَها، بل عائِلَها، وهو ما زال في غَضارة عمرِه، ونضَارةِ شبابهِ، وكان بإيثارِه هذا راضيًا مرضيّا.
وقد تجلَّى هذا الإيثارُ السمحُ النبيلُ مِن بعدُ، حين تُوفِّىَ أَخٌ له عن أولادٍ مازالوا في مَدْرَجِ طفولتِهم، فضَمَّهُم شوقى إلى كنفه، كما استظلَّ برعايته آخرون مِن أَقربائه، وإنى لأَعْلَمُ مِن هذا الكثير !
وليس هذا بعجيبٍ من شوقى، فقد كان نهرًا متدفقًا بالحب والحنان!
أيها السادة: