فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 4462

وُلد محمد شوقى أمين في منتصفِ العام العاشرِ من هذا القرن، والتحقَ في طفولته بكُتّابٍ في حارة الروم بحىّ الدربِ الأحمر بالقاهرة، فتلَقَّى فيه مبادئَ العلوم، وأَكملَ حِفْظَ القرآن الكريم، ثم التحقَ بالقسم الابتدائىِّ في الأزهر، حيثُ تَفتَّحَتْ مواهبُه عن قُدراتٍ لغويةٍ فذَّة، ونُزُوعٍ عَرِم نَهِمٍ إلى الأدب العربىّ، فانطلقَ الصبىُّ الطُّلعَةُ إلى ذخائر اللغة، ومصادر الأَدب، يقرأ ويقرأ، حتى استوعبَ في سنواتٍ قلائلَ ما يستوعبُه غيرُه في عشراتِ السنين، ففاضَ مَوْرِدُه، واسْتَحصَدَ زرعُه، وصار مُؤَهَّلًا للعَطاءِ في سخاء، وهو مازال طَرِىَّ العُود، غَضَّ الإهاب !

كان التعليمُ الأزهرىُّ قد بَدأَ منهجُه يأخذُ بالعلوم الحديثة، كالحساب والجَبْر والهندسةِ والكيمياءِ والطبيعة، وغير ذلك من العلوم التى لم يكن للأزهرِ عهد بها مِن قبل، فضاقَ الفتى شوقى أمين بهذه العلومِ البعيدةِ عن اللغةِ والأدب، والتى يُرْغَمُ على اسْتِيعابِها واجتيازِ امتحانِها، حتى ينتقلَ إلى مرحلةٍ أُخرى من التعليم الأَزهرىِّ الجديد.

وما كاد الفتى اللغوىُّ الأديبُ ينتقلُ إلى المرحلةِ الثانويةِ حتى آثَرَ أن يختارَ الدراسةَ الحُرَّةَ العِصاميَّة للغةِ العربيةِ وآدابِها على هذه الدراسةِ النظاميةِ الجديدةِ التى انتهجَها الأزهرُ في عهده الحديث.

وقد قَوَّى هذا الإيثارَ لَدَيْه ما أَخَذَ ينتظرُه مِن حَمْلِ أَعباءِ أُسرته!

ولكنَّ الفتى شوقى لم يكن لَدَيْه مِن عُدَّةٍ يُواجِهُ بها الحياةَ سوى ثقافتِه اللغوية والأدبية، وقلمه الفتىّ المُرْهَف، فخاضَ غِمارَ الصِّحافة .. وكانت حينذاك في العِشرينيّاتِ، وقد نَشَأَ الكثيرُ منها في أحضان السياسة، حيث الأَحزابُ الوليدةُ تَخُوضُ تجربتَهُا الديمقراطية الطَّلِيعيَّةَ في عالمنا العربىّ، ولكلِّ شىء في إبّانِه حماسةٌ وَفورة، وعَجِيج وضَجِيج !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت