فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 4462

نَأى شوقى بنفسه عن ذلك كلِّه، حتى لا يُغيره ما تُثِيره معاركُ الصُّحُفِ السياسيةِ في جَوْلاتِها وَصوْلاتِها، وكَرِّها وفرِّها، وآثَرَ أنْ يَتَبَّوأَ مَقْعَدَ صِدْقٍ على المَنْهَلِ الصافِى للصِّحافةِ الأدبيَّة؛ فأَشَدُّ ما يُنْكِرُه شوقى أمين ما تَلْجَأ إليه الصَّحافةُ السياسيةُ مِن مُداهَنةٍ ومُخاصَمة، ومُداوَراتٍ ومُناوَرات، فهو رجلُ علمٍ وأدب، والعلمُ بَحْثٌ عن الحقيقة، والأدبُ غايتُه الحق، وكم مِن حقائقَ وحقوقٍ تُسْفَك دماؤُها على مَذْبَحِ السياسة !

أَمرٌ آخَرُ جَعَلَ شوقى يَعْزِفُ عن

الصِّحافة السياسية؛ ذلك أَنَّ جَوَّ السياسةِ قُلَّب، لا يكادُ يَصفُو حتى يَغيِم، وَتَيّاراتُها لا تَكادُ تهدأُ حتى تستحيلَ عواصفَ وأعاصِير، فكيف يَضَعُ مَصِيرَ أسرةٍ _ بل أُسَرٍ _ هو عائِلُها في مَهَبِّ هذه الأَخطار ؟!

ولكن أَمرَ السياسةِ في أواخرِ العشرينيّاتِ كانَ يَمُور بصراعٍ بين رجالِها الوطنييِّن الشُّرفاء والقَصْر، انتهى بأن دَفَعَ القصرُ بإسماعيل صدقى إلى رئاسةِ وزارةٍ عَطَّلَتِ الدستور، وكادتْ تُجْهِزُ على التجربةِ الديمقراطيةِ في مَهْدِها، لولا أَنَّ شبابَ مِصرَ هَبَّ في مظاهراتٍ عاصفة، تَعالى زَئِيرُها مُطالِبًا بعودةِ الدستور، وتحطيم اليدِ الحديديةِ التى تُمْسِكُ بخِناقِ الديمقراطية !

كان ذلك في العام الثلاثين من هذا القَرن، حين كان شوقى قد بلغَ عامَه العشرين.

ولم يكن بِوُسْعِه _ وهو في عُنفوان شبابِه _ أَنْ يُمْسِكَ بزمامِ غَضَبِه وهو يَرَى مظاهراتِ الشبابِ تجتاحُ مصرَ سخطًا ونقمةً على طغاتها المُسْتَبدِّين، وكان مصيرُه _ مع زعماءِ تلك الانتفاضةِ _ الاعتقالَ والسَّجْن، حيث أَمْضَى بعضَ أيام، خرجَ بعدها مِن سِجْنِه ليكتبَ مؤلَّفَه الأول:"مشاهدات سَجِين: عشرةُ آلافِ دقيقةٍ في سِجْن مصر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت