فهرس الكتاب
هذا الواقع من فصاحة البدو الأميين بسبب العزلة تقابله عامية الحضر حتى عند المتعلمين منهم، بل عند خاصة المتعلمين ، في المدن التي تعرضت لاختلاط أهلها بالأجانب بسبب الغزو والاحتلال أو عن طريق المعاملات التجارية ، وإذا لم يكن بين أيدينا مصادر تتحدث في هذا المجال في العصر الذي كتب فيه العبدري للمقارنة، فإن لنا مثلًا في (يوميات) حسن الفقيه حسن (*) الذي كان يسجل (يومياته) مدة أربعين عامًا في عهد حاكم طرابلس يوسف باشا القرمانلي منذ نحو مئتى عام، ويعتبر من خلصاء الحاكم وصفوة المتعلمين يومذاك. فقد كانت لغته خليطًا من الدارجة الممعنة في عاميتها، وكثير جدًا من الألفاظ الأعجمية، كلها أو جلها، في حاجة إلى شرح للقارئ اليوم، بل للقارئ الليبي وإن كان طرابلسيًّا
قحّا، إذ يستعصى عليه فهم الكثير من الألفاظ والجمل إلا ببيان دلالتها في ذلك الزمان (1) .
من المؤكد أن جملة أسباب أدت إلى انحدار الدارجة الليبية إلى العامية وكثرة الدخيل فيها، من بينها توالى غزو البلاد من قبل القوى الأجنبية واحتلالها مرات كثيرة وتنوع هذا الاحتلال مما ترك الأثر الكبير في تنوع الدخيل، ثم فقر البلاد الذى ساعد على رسوخه القتال الضاري بين أهلها والغازين أو فيما بينهم أنفسهم مما أدى إلى إهمال مصادر الحياة المستقرة من زراعة وصناعة، وكانت النتيجة إهمال التعليم وانتشار الأمية والجهل حتى أصبح القارئون قلة يعدون على أصابع اليد في البلدة الواحدة أحيانًا. ويقدم لنا الرحالة المغاربة بالذات الذين كانوا يسجلون ملاحظاتهم في رحلاتهم صورًا قاتمة عن مدى التخلف الذي مرت به البلاد على مدى قرون من الزمان، وعن المستوى العلمي والثقافي، وتبعًا لذلك المستوى اللغوي (2) . ويذكر العياشي (3) أنه زار زاوية الشيخ أحمد زروق (4) في بلدة مصراته (وصلينا الجمعة بالمسجد الجامع وهو الذي كان الشيخ يصلي فيه،