فهرس الكتاب

الصفحة 1871 من 4462

وأخذت تعايش الفصحى في جميع الأقطار العربية عامياتٌ كان السبب في تكونها فقدانها للإعراب الذي تتميز به الفصحى، إذ كان سكان الأقطار العربية وراء الجزيرة العربية لا يعرفونه في لغاتهم القديمة، وأيضا فإن كل قطر احتفظ ببعض ألفاظ كانت تدور في لسانه بلغته القديمة ، كما احتفظ ببعض نغمات في النطق ، وهى تختلف من قطر إلى قطر0 وبمرور الزمن أخذت العاميات العربية تتكون على ألسنة السكان في جميع البلدان التي فتحها العرب من إيران شرقا إلى المحيط الأطلنطي 0 وكانت تَرْمُقُ شعر الفصحى بإعجاب، وتتمنى لو استطاعت محاكاته0 وبمرور القرون استطاعت أن تنتج لها شعرا عاميا يُسمَّى الأزجال ، واشتهر في نظمه ابن قزمان الأندلسي ، وحاكته فيه الأقطار العربية جميعا 0 وبمرور القرون أيضا أخذت العامية تسهم في كتب النوادر ، وهى أقاصيص قصيرة تروِّح عن النفس بالسخرية من قاض مشوَّش الفكر يخطئ في أحكامه،أو حاكم ظالم يجور في أحكامه جورًا شديدا0 ومن أطرف ما ساهمت فيه العامية من تلك الكتب كتاب الفاشوش في حكم قراقوش التركي أحد قواد صلاح الدين الأيوبي، وكان أنابه عنه فترة بمصر وفوَّض أمورها في الحكم إليه لغيبته عنها في حروبه بالشام ضد الصليبيين، وهو الذي بنى السور الذي كان محيطا بالقاهرة، كما بنى القلعة التي لا تزال قائمة إلى اليوم0 ويبدو أنه قسا قسوة شديدة في تسخير المصريين في بنائهما، فانتقم منه أحد كتاب الدواوين المصرية المسمَّى ابن مماتي فألف كتابًا عاميًّا وضع عليه فيه طائفة من النوادر في أحكامه مصورًا فيها ما ادَّعاه عليه من غفلته وحُمْقه ، وهو مطبوع ومنشور 0

و نلتقي في مطلع عصر المماليك بمصر بكاتب مبدع من كتاب العامية هو ابن دانيال ، وكان شاعرًا، وكان كحالا، ولا ندرى هل كان طبيب عيون أو كان تاجر كحل يبيعه فقط، وسأله سائل عن حرفته التي يكتسب منها معاشه ، وأغلب الظن أنه كان طبيب عيون، فقال:

ما حالُ مَنْ درهمُ إنفاقهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت