فهرس الكتاب
ولمصلحته الشخصية، وأما أنت فلم تكن تعرف شيئًا عن المصلحة الشخصية ولا الفردية، فأنت وأخوك على أمين -رحمكما الله - كنتما من هذه الناحية طرازًا خاصًّا من المصريين، وطرازًا خاصًّا من الصحفيين إلى درجة أنكما كنتما مدرسة خاصة تفردت بها مصر في عالم الصحافة، فالصحافة نشأت في مصر قبل وجود كما على يد إخواننا العرب من غير المصريين، وخاصة أولئك الذين أسسوا جرائد أخرى غير الأهرام، فكلها لم تكن قومية بالمعنى الكامل، ولكنها كانت على أية حال حزبية والحزبية في مصر خارجة عن نطاق الوطنية والقومية، مع تقديرنا الكامل للحزبية واختلاف الرأى، ومع أن هذه الحزبية هى التى تبرز الشخصية وتفسح المجال أمامها لتصبح متفردة إلا أننا نعرف وأنت يا أخى مصطفى كنت تعرف أن الحزبية تنأى بمصر عن طبيعتها الأساسية التى اتسمت بها مصر وتفردت بها عن سائر بلاد العالم، تلك الطبيعة التى جعلتها أول بلد في العالم يعرف الوحدة الكاملة؛ فالحضارة الواحدة لم تقم إلا في مصر منذ يومها الأول، فلم تكن تفرق بين صعيدى وفيومى، ولا بين دلتاوى وبحرى، وهذه الصفة لم يتمتع بها إلا المصريون، فإن ثمة بلادًا أخرى عرفت الحضارة أيضًا مُنذ تاريخها القديم؛ فالعراق - مثلًا - عرفت الحضارة - كما عرفتها مصر - في عصر ما قبل التاريخ، ولكنَّ العراق كانت دائمًا بلد الشقاق، وحضاراتها كانت حضاراتٍ على شكل جُزُر مستقلةٍ ومختلفة، فحضارة (سومر) على شاطئ الخليج، وحضارة (أكَّاد) إلى الشمال قليلًا من شاطئ الخليج، وحضارة (بابل ) وهى جزيرة منعزلة - قامت في وسط العراق، ثم حضارة (آشور) فى منطقةٍ في الشمال الشرقيّ من العراق، وهذه الحضارات لم تكن متعاصرة، وإنما كانت في عصور متتابعة ولم تكن موحدة، ولكنها كانت قائمة على أساس الشقاق، ولا أريد أن أقول كلمة أخرى؛ لأننى لا أريد أن أسىء إلى العراق، أما أهل مصر فكانوا دائمًا أهل وحدة، وأنت يا أخى مصطفى ويا أخى على كنتما من أهل