فهرس الكتاب
وبطبيعة الحال لا نجدها لأن من مميزات هذه التفاسير القديمة المنشورة حتى الآن أنها لم تفسّر إلا عددا قليلا من كلمات القرآن الكريم أو عباراته . هذه الكتب من المرحلة الأولى للتفاسير المدوَّنة وهي في أغلبية الأحوال تسجل المواد المروية عن
التابعين أو الصحابة . ولا يزيد محتواها عن مترادفات بعض الكلمات الغامضة وشروح قصيرة لبعض العبارات العَويصة وأحيانا بعض القصص التوضيحية .
وإِذا كانت التفاسير القديمة من طبيعتها لم تسجِّل المناقشة أو المناظرة فهل يمكننا أن نكشف فيها آثار تلك المناظرات المروية عند الطبري والسمرقندى وغيرهما من المراجع المؤلفة بعدها بقرن ونصف على الأقل؟
إِنّى مقتنع بأننا نجد الرد الإِيجابي على هذا السؤال في ظاهرة من الظواهر التي نلتقي بها في التفاسير . وهي ظاهرة غير مجهولة ؛ هي معروفة وربما غير مفهومة تماما .
نجد المفتاح في تفسير عبد الرزاق الصنعاني ( المتوفى سنة 210هـ ) . وعلى غير المألوف في هذا النوع من التفاسير نجد المناظرة المذكورة
أعلاه بين مجاهد وعكرمة في رواية عن القاسم بن أبي بزّة: قال أمرني مجاهد أن أسأل عكرمة في قوله تعالى { فليغيرن خلق الله } قال: هو الخصاء ، فأخبرت مجاهدا ، فقال أخطأ ، { فليغيرن خلق الله } قال: دين الله (*) .
وقعت هذه الرواية عن القاسم بن أبي بزة في سياق سلسلة ست روايات تحتوي تفسيرًا لهذه العبارة القرآنية . وعلى الشكل المعتاد في التفسير القديم لا نجد إِلا مترادفات في أربع منها وأما التفسيران الباقيان فهما أوسع قليلا، وكلاهما في شكل قصة قصيرة جدا .
وإِذا أمعنّا الفكر في طريقة تقديم هذه التفسيرات الستة التي استعملها عبد الرزاق هنا لا حظنا أمرين غريبين، أولهما: هو عدد التفسيرات ورواياتها؛ فعبد الرزاق عمومًا لا يقدّم إِلا تفسيرًا واحدًا لكلمة أو عبارة غامضة وعادةً
ما تكون روايته عن شيخه معمر بن راشد فقط .