تَخْطَفُ فيها عيونُهمُ الكلماتِ والجملَ خطفًا، لأن هذه القراءة الصامتة تزيد من سرعة القراءة، وتختصر الوقت الذى يقضيه المرء في المطالعة، في زمن تكاثَرَ فيه نتاج المطابع وتفجرت فيه المعرفة، وأصبح المرء لا يستطيع أن يتابع كل ذلك إذا لم يسرع في القراءة ليوفِّر أطول وقت ممكن لقراءات أخرى. وهى حجَّة داحضة، لأن القراءة الصامتة السريعة التى تَخْطف فيها العينُ الكلماتِ والجُمَلَ خطفًا لا تتيح للقارئ تركيزًا للفكر، ولا تثبيتًا للمعرفة في العقل ولا هضمًا لها. وهى صالحة لقراءة القصص
والروايات، وكثير من الأخبار في الصحف والمجلات، وسائر ضروب القراءة الخفيفة التى لا تحتاج إلى تدبّر، أو التى تستجلب التسلية، وقد تستدعى النوم. ولكنها لا تصلح لمن يريد أن يقرأ حتى هذه القِصصَ والروايات لتحليلها ونقدها والكشف عن خصائصها اللغوية والفنية، فكيف بمن ينصرف إلى القراءات الجادّة الأخرى: كتذوق الشعر الأصيل، أو فهم النصوص الأدبية، أو أى مادة علمية من المواد التى تفجرت بها المعرفة في هذا العصر.
... ومع ذلك فإنّ بعضنا قد يرى أن القراءة الصامتة ربما كانت متفقةً وطبيعةَ بعض اللغات الأخرى ولاسيّما اللغةِ الإنجليزية، لأن كلمات هذه اللغة-كما يقولون-تُكْتَب كما تُقْرأ، وتُقرأ كما تُكْتَب، وهو قول يحتاج إلى فضل تمحيص، وربما ظهرت مجانبته للصواب ، إذْ ما أكثر الكلماتِ التى ترسّبت فيها-بسبب تطوّرها التاريخى-حروف سقطت في النطق مع أنها بقيت في الكتابة شاهدةً على أصلها القديم. فلو قرأنا تلك الكلمات أو تكلمنا بها مع نطق تلك الحروف كلّها، جاءت الكلمات غريبة على أسماع أهل تلك اللغة ومن يتكلمون بها، واستعجمت على فهمهم. أما اللغة العربية فلا نجد فيها شيئًا من هذه الحروف التى تَثْبُتُ في الكتابة وتسقط في النطق، بل إن كلماتِها تُنْطَق جميع حروفها المكتوبة (*) .