فهرس الكتاب
أما النظر في المفاهيم فقد حاولنا، منذ زمان طويل، أن نتتبع الألفاظ الدالة عليها في جميع الكتب التي وصلت إلينا من تلك التي ذكرت بكثرة فيها (*) بل وفي جميع سياقات هذه الألفاظ التي وردت فيها . ولا يكفي - في نظرنا - أن يعتمد في ذلك على التحديدات وحدها . وذلك لأن المصطلح قد يكون غائبا في زمان معين في جميع المؤلفات التي يتعلق موضوعها به ولهذا دلالة وقد يستعمل في زمان آخر بمعني غير الذي تعورف عليه في زماننا هذا أو زمان آخر .
أما اختيارنا لهذه الفترة بالذات فلأن كل من جاء بعد ابن مجاهد من المؤلفين للكتب التي تطرقت إلى القراءات قد اتبعوا النهج الذي سار عليه ، جزئيا أو كليا . وهذا ترتب عليه تحول عميق للنهج القديم وطرأ تأويل جديد لأصول التصحيح . فأردنا أن نعرف بالضبط ما الذي امتاز به المتقدمون في فهمهم لهذه الأصول وكيف تم استعمالهم لها .
أ) الأصول الثلاثة:
يردد المتأخرون من علماء القراءات قول أبي عمرو الداني:"وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل . والرواية إذا ثبتت عندهم لم يردّها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنة متبعة"
يلزم قبولها والمصير إليها" ( من كتاب جامع البيان ، اللوحة190 وفي النشر، 10/1 ) ."
هذا كلام سليم ومع ذلك ينقصه شيء مهم جدا وهو الإجابة عن هذا السؤال الذي يثيره هذا النص في النفوس وهو:إذا كانت القراءة لا تثبت بفشو لغة ولا قياس عربية ـ وهذا مسلم به ـ فلِمَ لمْ تخبرنا في كلامك هذا بالذات بماذا تثبت ؟ وما هي الأصول التي أجمع العلماء من السلف على العمل بها في ذلك؟ ثم إذا كانت القراءة سنة متَّبعة ـ وهذا لا يشك فيه أحد (*) ـ فهل تثبت مثلما تثبت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم؟