فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 4462

... ومن أمثلة ذلك أيضًا: أنه شاعت عند غيرنا طريقة تعليم الأدب وتاريخه: نثره وشعره ، على أساس البدءِ بالعصور الحديثة ثم الرجوعِ منها إلى العصور التى سبقتها عصرًا عصرًا. وتلك طريقة لا مفرّ منها، ولا بديل عنها، في آداب تلك الأمم، لأن لغاتهم التى يستطيع معرفتها صغارُهم وكبارهم ومثقفوهم ومتعلّموهم، هى اللغة المعاصرة أو اللغة الحديثة التى لا تمتدّ في العمر إلى أكثر من ثلاثمئة عام، فإذا وصلت إلى ما قبل ذلك بقليل استعصت عليهم، وانبهمت آدابها، واضطُرّوا إلى تيسيرها وتقريبها للتلاميذ في مختلف المراحل بتعليمهم نماذج مختصرة مبسّطة في طبعات خاصّة، ثم بتقديم الأصول للدارسين-حتى المتخصصين منهم-مقرونة بشروح مسهبة لتوضيح غوامض اللغة وغرائب الأسلوب. أما ما قبل أربعمئة عام فتكاد تكون لغات آدابهم لغاتٍ أخرى مختلفة عن لغتهم التى يعرفونها ويفهمونها الآن. ولكن اللغة العربية التى نعرفها ونكتبها ويتحدث بها فصحاؤنا إنما هى لغة واحدة مستمرة ممتدة على مدى سبعة عشر قرنًا ، وكثيرًا ما نقرأ شعرًا جاهليًّا وأمويًّا وعباسيًّا فنحسّ كأنه كُتِب لنا في أيامنا هذه. ولا حجّة لمن يستشهد بأبيات فيها كلمات غريبة وتراكيب مستعصية في وصف الصحراء أو حيوانها أو ما يشبه ذلك من الموضوعات التى انفصلت عن حياتنا، وأصبحت غريبة عنا، فانفصلت بذلك ألفاظها وتعابيرها وأصبحت عسيرة على فهمنا . فهذا ارتباط طبيعى بين الموضوع والتعبير، أو بين المضمون والشكل، لأن الصحراء وحيوانَها والصيدَ فيها، لأن وصف أعضاء المطايا من الإبل والخيل وما يتصل بها من حياة كاملة متماوجة، أصبحت كلها بعيدة غريبة عنّا، وهكذا صارت الكلمات الدالّة عليها غيرَ مألوفة لنا، وتحتاج منّا إلى البحث عن معانيها في المعاجم. ومع ذلك فإن كثيرًا من هذه الألفاظ لا تزال مفهومة عند أهل البوادى والصحارَى الذين يألفون الخيل والإبل ، ولا يزال شعراؤهم يستعملون بعضها في شعرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت