... ومن أمثلة ذلك هذه الدعوة القديمة المتجددة إلى إسقاط الإعراب، واستعمالِ لغةٍ عربية خاليةٍ منه في الكتابة والكلام، على أساس قاعدة وضعوها هى"سَكِّنْ تَسْلَمْ"، ولئن جاز ذلك للعوامّ حين يتحدثون بلهجتهم المحْكيَّة، فكيف يجوز في اللغة الأدبية، وفى المواقف العامّة للمثقفين، وفى دروس المعلمين الذين ينشِّئون أجيال المستقبل، فيسمع الناس منهم، ويتعلّم التلاميذ عليهم، لغةً منفصلة عن أصولها وقواعدها التى يتحدّث عنها المتحدثون ويعلّمها المعلمون في دروس مستقلّة، معزولةً عن تطبيقاتها، مقطوعة عن استعمالاتها وعما يسمعه التلاميذ، فتصبح قواعد اللغة ونحوُها مجمَّدة متحجرة في القواعد نفسها، ولا تنساب حيّةً نابضة في الاستعمال من: تكلُّمٍ وقراءةٍ وسماع. وهو أمر مستنكر في كلِّ حالة من حالات الحياة حين تنفصل النظرية عن الواقع، والقاعدة عن التطبيق، فكيف باللغة التى لا تحيا وتستمرّ وتتجدّد إلا من خلال استعمالها استعمالًا صحيحًا متكاملًا!! وكيف ستكون صلة الأجيال القادمة بتراثنا الشعرى والنثرى الذى لابدّ-لقراءته وفهمه وإقامة وزنه العَروضىّ-من إعرابه إعرابًا واضحًا كاملًا؟ أتُرَى تَرمى هذه الدعوة-فيما ترمى إليه-إلى فصل الأمّة عن تراثها ومقوّمات شخصيتها بالتدريج؟ وقد نتج عن تسكين المتحدثين أن أصبحت همزات الوصل تُنْطَق بالضرورة همزاتِ قطع لوقوعها بعد حروف ساكنة ، وأصبحت آذانُنا وأذواقنا تعانى أشدَّ المعاناة آلامَ الاستماع إلى المذيعين والمعلقين- في الإذاعتين: المرئية والمسموعة-وهم يرجموننا بهذه الهمزات، فيشوّهون جمالَ لغتنا.