... وهذه الدعوة إلى التسكين إنما هى في حقيقتها دعوة إلى التجهيل، وتدلّ على العجز عن التعلّم، وعلى سوء الفهم لطبيعة اللغة العربية، فالإعراب في هذه اللغة جزء لا ينفصل عن طبيعتها وتكوينها، وعنصر أساسىّ في بنائها، وليس حِليةً خارجية نضعها عليها حينًا، ونضعها عنها حينًا آخر. وليس من نتيجة لهذه الدعوة إلا التدرّج نحو وجودِ لغاتٍ متعدّدة تنفصل عن اللغة العربية وتعزلُها عن الحياة والاستعمال ثم تُميتها، كما حدث للغة اللاتينية حين انفصلت عنها اللغات المتعددة من إيطالية وفرنسية وإسبانية وتوابعها. والقياس هنا والتشبيه مع الفارق، فما أوسع البون بين اللغة اللاتينية واللغةِ العربية لغة القرآن التى بضياعها يضيع كتابُ الله، وأنَّى يكون ذلك وقد قال تعالى: (إنّا نحن نَزّلْنا الذِّكْرَ وإنَّا له لحافظون) (*)
... وأسباب ضعف تعلّم اللغة العربية كثيرة، بعضها منّا، وبعضها مدسوس علينا، تضافرت جميعها، فاستعان بها غيرنا ليوهمنا أن هذه اللغة في جوهرها معقدة صعبة، وأن ضعف تحصيلها والمعرفةِ بها إنما
سببه اللغة نفسها، وليس هذه الأساليبَ الغريبة عنها، المخالفة لطبيعتها. وأخذ هذا الوهم يشيع بيننا، ويستقرّ في نفوسنا، حتى أصبحنا نحن الذين نردده ونؤكده. ونسينا تاريخ هذه اللغة حين اشترك كثير من غير أهلها في بنائها الثقافى الحضارى، فكان من هؤلاء المفسّرون والمحدِّثون والرواة والكتّاب والشعراء والعلماء والنحاة واللغويون، الذين ينتسبون إلى مختلف البقاع الإسلامية في أصولهم أو في نشأتهم، ومنهم من تعلّم العربية ولم تكن لسانَ طفولته، فنبغ فيها، وكتب وألّف، بل صار معلّمًا للعرب يعلمهم قواعد لغتهم ونحوَها وصرفَها وبلاغتها ونقدها. ولم يقل أحد منهم حينئذ إن العربية لغة صعبة ليصرف نفسه ويصرف الناس عنها. فما بالنا اليوم نسمع هذا، ونقوله، ونصدّقه، ونجد فيه العذر الذى نتّكئ عليه ليسوّغ لنا جهلنا بلغتنا أو ضعفَنا فيها؟