فهرس الكتاب

الصفحة 2266 من 4462

... ولكنَّ عربية هؤلاء - الذين اعتنقوا الإسلام - لم تكن بالطبع خالصةً ممّا عَلِق بها من لغاتهم القومية، كما أن ألسنتهم لم يستقم أمرُها وهي تنطقُ الكلماتِ العربية.

... وإذا كان ذلك قد اعْتَرى عربيَّتهم الفصحى التي تحكمها ضوابطُ مُتَّبَعة، فهو أَبْلَغُ أثرًا في لغة تَخاطُبِهم، التي تَتَردَّدُ على ألسنتهم، طليقةً من كل ضابط، في البيت، والطريق، والسُّوق، وغير ذلك ممّا يَجْمَعُ الناس في شؤون حياتهم، في حِلِّهم، وسَفَرِهم!

... وقد استنهض هذا وذاك عزائم العلماء القَوَّامين على العربية، فأخذوا يُعالجونه، ويَطُبُّون له، وبخاصة بعد أن انتقلتْ عَدْوَى اللحنِ من غير العرب إلى العرب أنفِسهم، الذين عايشوهم، وربَطَهم بهم نَسَبٌ وصِهْر!

... والعربيُّ الأصيلُ بطبعه يَنْفِرُ من اللحن، ويستهجنُه في لغة تَخاطُبِه، ويَعدُّه عارًا على صاحبه .. وقد عَدَّه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ضلالًا، فقال حين لَحَنَ رجلٌ في حضرته:

"أَرْشِدُوا أخاكم ، فقد ضَلّ"!

... وأَخطأ كاتبُ أبي موسى الأشعريّ - رضي الله عنه - في رسالة بعث بها إلى الخليفة عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه - فاستنكر عمرُ ذلك الخطأَ من كاتب أبي موسى، وبعث بكتاب إلى أبي موسى جاء فيه:"سلامٌ عليك، أَمّا بعد، فاضربْ كاتبَك سَوْطًا، وأَخِّرْ عطاءه سنة"!

... وقد استحثَّ عليُّ بن أبي طالب - كَرَّم الله وجهه - أبا الأسود الدُّؤَلِيَّ على وَضْع اللَّبِناتِ الأُولى لعلم النحو، حين رأى اللحن قد أخذ يَفْشُو على ألسنة الناس، حتى تَسلَّلَ إلى تلاوة القرآن الكريم!

... فقد زاد من حماسة أبي الأسود لوضعِ علمِ النحوِ ما سمعه من رجل تَلاَ قوله تعالى:"إنَّ الله بَريءٌ من المشركين ورسولِه" ( بكسر اللام لا بِضَمِّها ) !

فهالَ ذلك أبا الأسود وقال:

"لا يَسَعُنِي إلاّ أَنْ أَضَعَ شيئًا أصْلِحُ به نَحْوَ هذا"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت