فهرس الكتاب
وأخذ علماء اللغة يُمْسِكُون بأَعِنَّتِها، حتى لا يَنْفَلِتَ زمامُها مع اللحن، والعُجْمة!
ولقد كان مِن أَثَر ذلك أَنَّ رجلًا أخطأَ في حديثه بحضرة بعض العلماء، فاستنكروا ذلك منه، فَدَفَعَه خَطَؤُه إلى أن يُقبل على تعلُّم العربية، حتى صار من أئمة علمائها النّابهين، ذلكم الرجلُ هو العلاّمةُ الكِسائي"!"
فقد كان الكسائيّ قبل اشتغاله بالنحو واللغة يُجالس بعضَ العالمين بهما، فجاءهم ذات يوم وهو يلهث تعبًا من طُول مَشْيه، وقال لهم:
لقد مَشَيْتُ حتى عَيَّيْتُ !
فانتهروا الكسائيَّ غاضبين، وقالوا له:
أَتُجالسنا وأنت تَلْحَن؟!
فسألهم الكسائي:
وكيف لحنتُ؟
فقالوا له:
-إن كنت تُريد أنك مَشَيْت حتى تعبتَ، فقل:"مَشَيْتُ حتى أَعْيَيْتُ".
... وإن كنت تُريد أنك مَشَيْتَ في قضاء أمرٍ حتى انقطعتْ حيلتُك فيه، فقل:"مَشَيْتُ حتى عَيِيتُ"!
... فنهض الكسائيُ من فوره عن مجلسهم، واتَّجه إلى حلقات الدرس التي يعقدها كبارُ علماءِ اللغةِ والنحو، ومنهم الخليلُ بنُ أحمد، ثم مضى إلى بوادِي الحجاز، ونجدٍ، وتِهامةَ، يكتب عن عربها الأَقْحاح، حتى أَفْضَى خمسَ عشرة قِنِّينةَ حِبْرٍ في تدوين ما سَجَّلَه عنهم .. وظلَّ يشتغل باللغة والنحو حتى صار إمام الكوفة فيها، وواحدًا من أصحاب القراءات السبع للقرآن الكريم!