فهرس الكتاب
... وبذلك الغَزْو اللغويِّ الأجنبيِّ لعاميّاتنا العربية زادت الفَجْوَةُ اتِّساعًا وعُمْقًا بين الفصحى والعامية .. فنهض كثير من الباحثين اللغويِّين، مُشَمِّرين عن سواعد بُحُوثِهم، لمعالجة ذلك الوباءِ اللغويِّ الذي عَمَّ، وطَمَّ، ولانتشالِ الكلماتِ العربية التي خرجتْ من رَحِم الفصحى، والقيام بِرَصْدِها وردِّها إلى أصولها اللغويةِ الفصيحة، محاولين بذلك التقريب بين العامية والفصحى في كل قطرٍ عربيّ، ثم التقريب بين عاميّاتِ الأقطار العربية، التي خرجت كلُّها من هذه الرَّحِمِ الواحدة: رَحِمِ لغةِ القرآن الكريم!
... وقد أخذتْ بعضُ البلادِ الأوربية تُنْشِئ مراكز لدراسة العاميات العربية، تحقيقًا للاتِّصال المباشر بشعوبها .. ففي عام سبعةٍ وعشرين وسَبْعمئةٍ وألف أُنشئتْ في إيطاليا"مدرسةُ نابولي للدروس الشرقية"وتَلَتْها في النمسا"مدرسةُ القَناصِل"بفيينا، ثم أُنشئتْ في فرنسا"مدرسةُ باريسَ للغات الشرقية"، وتتابعت هذه المدارس في ألمانيا، وبريطانيا، وروسيا، والمجر، وغيرها من البلاد الأوربية.
... وأقبل كثيرٌ من المستعربين الأوربيِّين على دراسة العامياتِ العربيةِ، بدوافعَ استعماريةٍ خَفيَّة، وإنْ تَنَزَّه بعضُهم عن ذلك، وقليلٌ ما هم، حيث أقبلوا على البحث اللغويِّ المجرَّد لدراسة اللهجات العربية، وظواهرها الصوتية، وارتباطِها بالبيئة والمجتمع، فأَفَدْنا منهم الكثير، وبخاصة في مجال المنهج العلميِّ في الدراسات اللغوية الحديثة.
أيها السادة: