فهرس الكتاب
... لقد عَرَضَ مجمعُنا في مؤتمره السابق لموضوع الفصحى والعامية بعامَّة، وهاهو ذا يتناولُه في هذا المؤتمر في إطار خاصٍّ وهو إطار وسائل الإعلام: من صحافة، وإذاعة: مسموعةٍ، ومرئيَّة، وهي وسائل إعلاميةٍ مستحدثة، وإن كانت الصحافة أسبق من الإذاعة في الظهور بأمدٍ بعيد، فقد ظهرت في القرن السادس عشر الميلاديّ، ولكن ظهورها تأخَّر في بلادنا العربية إلى العام الأخير من القرن الثامن عشر، مع الحملة الفرنسية على مصر، حيث صَدَرت جريدةُ"الحوادث اليومية"بأمرٍ من نابليون، وكان يصدرها المستعربُ الفرنسيُّ"مارسال"ويُعاونه في تحريرها الشاعرُ المصريُّ"إسماعيل الخشاب"، ثم توقَّف صدور هذه الصحيفة بجلاء الحملة الفرنسية عن مصر في العام الأول من القرن التاسع عشر.
... ثم أمر محمد علي بإصدار صحيفة"الوقائع المصرية"في العام الثامن والعشرين من القرن التاسع عشر، وكانت تُحرَّرُ بالتركية، ثم بالعربية والتركية، وكان يرأس تحريرها"رفاعة الطهطاوي"، ثم"محمد عبده"الذي أَضْفَى عليها صبغةً عربية أصيلة .
... ثم تتابع ظهورُ الصحف في بلادنا العربية، حتى شَبَّ الفَنُّ الصحفيُّ عن الطَّوْق، وبَلَغَ أَشُدَّه، وصار له رجالُه وأعلامه من الكُتّاب الصحفيين!
... والطَّريفُ أن كلمة"صَحَفِيٍّ"كانت قبل ذلك من الكلمات المُسْتَهْجَنة المَرذولة، التي يتَبَّرأُ منها الأدباء والعلماء، وكانوا لا يَحْذَرُون الأَخْذ عن"الصحفيِّ"حتى شاع قولُهم:"لا تأخذوا العِلْمَ عن صَحَفِيّ"!
... فقد كان مدلولُ"الصَّحفِيِّ": مَنْ يُخْطئُ في كتابة الصحيفة، أو قراءتها، ولذلك كانوا يُفَضِّلُون أَخْذَ العلم عن أستاذ لا عن صحيفة ، وكانوا يتفاخَرُون بتَنَزُّههم عن أخذ العلم من الصحف، ولذلك قال الشاعرُ أبو نواس في رثاء أستاذ خَلَف الأحمر:
لا يَهِمُ الحاءَ في القراءة بالخا
ءِ ، ولا لامها مع الأَلِفِ