فاللغة رمز للكيان القومي وأمارة على شخصية الأمّة وذاتيتها الثقافية ، و"على التعليم العالي أن يقوم على أنه محور أساسي لرسالته ، على عملية تنمية الذاتية الثقافية التى تمثل الخصوصية الحضارية للمجتمع والتى هى مناط سائر أنواع التنميات الأخرى ، والتى هى بصفة خاصة سبيل الأمّة في العطاء الحضاري للمجتمعات الأخرى وأسلوب التبادل الخلاق مع الآخرين ، ويتمثل ذلك في الذاتية الثقافية ، في خصائص المجتمع الأساسية، وفى تراثها الحضارى وفى مقدّمتها اللغة القومية التى ليست شكلا ولا رمزا ، ولكنها مضمون وطريقة تفكير ومستودع حضارة" (7) .
وثمة من يرى أن لمشكل التعريب وجهين أولهما: كون لسان أجنبي يحلّ محلّ اللسان الأصلي ، وثانيهما: كون هذا اللسان الأصلي منقطعا عن اللغات بسبب جمود المجتمع (8) .
إنهما وجهان لعملة واحدة ، ويبدو من السهولة أن يخفي الأول الثاني ، ولكن لا يمكن سبر عمق مشكلة التعريب إذا لم نميّز بينهما نظريا على الأقلّ ، فالوجه الأوّل ظاهرة اجتماعية تنشأ عن القهر والاحتلال الأجنبي بحيث يصبح اللسانُ الدخيلُ عنوانَ التقدّم والعلم والأناقة ، ويصبح اللسانُ الأصلي سمة كل ما هو بلدي متخلف ، فنرى الموظف يخاطب الزبون بلسان أجنبي ليظهر نفوذه ، والأمّ تخاطب ابنها باللسان نفسه للإعلان عن انتمائها إلى طبقة راقية ، والطالب يقحم الكلمات الأجنبية ليثبت ثقافته العصرية إلى آخر ما هنالك من المظاهر المؤسفة المضحكة التى نلاحظها اليوم في المغرب العربي وفى بعض الأوساط المشرقية على حدّ تعبير الباحث المغربي عبد الله العروي .