فهرس الكتاب
ليست بعيدة كل البعد عن العربية الفصحى، وهي تبتعد عن الفصحى في شيئين: الإعراب وتركيب الحروف ... على أن أكثر الكلمات العامية التي ينفر منها الآن الذوق ويستنكرها الحس إنما كانت من أفصح الألفاظ العربية وأدقها تعبيرًا عما في النفس [ و] مطابقة لمقتضى الحال، وأنّ كثيرًا منها قد استعملت فيه المجازات اللطيفة والاستعارات المستملحة التي تعدّ من أرقى أساليب الفصاحة في الكلام والكتابة، ولقد تكفي نظرة فيما جمعناه وشرحناه للتحقق مما ذكرت. وقد يستغرب المتأمل في بعض الكلمات العامية بُعْدَها هذا البعد عن أصلها الفصيح ويستبعد أن تكون بين الكلمتين صلة قرابة سابقة، وإن هذا الاستغراب ليزول، وهذا الاستبعاد لينمحي متى علم أن التغيير في الكلمات الفصيحة لم يحدث مرة واحدة، بل إن هذه الألفاظ
قد تعاورتها أدوار من التغيير تناوبتها مرة بعد أخرى، وأنه كان هناك عامّةٌ عليا وعامة سفلى أتت بعد الأولى وزادت عليها في تغيير ألفاظ اللغة. قال ابن منظور (المتوفى سنة 711هـ) في مادة قرطب، وأما"القَرْطَبان"الذي تقوله [ العامّة ] (1) للذي لا غيرة له فهو مُغَيّرٌ عن وجهه. قال الأصمعي:"الكَلْتَبانُ"مأخوذٌ من الكَلَب وهو (2) القيادة والتاء والنون زائدتان. قال: وهذه اللفظة هي القديمة عن العرب وغيَّرتها العامّةُ الأولى فقالت:"القَلْطَبان" (3) قال: وجاءت عامةٌ سُفْلَى فغيرت على الأولى فقالت:"القَرْطَبان". فيرى من ذلك أن اللفظ العامي قد تغير مرتين في دورين غير متباعدين كثيرًا من أدوار حياة اللغة. ولقد تيسّر لي جمع الكثير من مفردات العامة وعملت على تحقيق أصولها وردّها إليها، ورتبتها في هذا السِّفْر
بحسب حروف الهجاء، فذكرت اللفظ العامي أولًا وبجانبه تفسيره عند العوام، ثم أتيت بالأصل الفصيح، وذكرت تفسيره في معجمات اللغة كاللسان والتاج وبينت الحقيقة فيها والمجاز.