فهرس الكتاب
لمقالاته وهو"بقايا الفصاح". قال (1) :"أعني ببقايا الفصاح طائفةً من الألفاظ التي استفاضت في العامة وأصلها فصيح، إلا أنها - مع تعاقب السنين عليها - تباعَدَ عنها فريق من الكتَّاب فذهب وهْمُنا إلى أنها عامية. ولهذه الألفاظ على ما أعتقد قوة غريبة في حياتها، فقد خلَّفها الماضي وتداولتها العامة، فلم تفقد شيئًا من حياتها، على الرغم من اختلاطها بألفاظ أعجمية انحدرت إليها من الأمم التي انبسط سلطانها على هذه البلاد أو على بلاد العرب عامة، ففي كل بلد من بلاد العرب طوائف من هذه الألفاظ، ولكل طائفة منها حياة قوية. ولقد عُنيت بها من سنين فاجتمع لي مقدار منها أرجع إليه من حين إلى آخر فتنطوي لي أحقاب بعيدة، فأرى في تضاعيف هذه الألفاظ حياة بلد بأجمعه، إذ إنها تفصح لي عن ناحية من نواحي الاجتماع أو الاقتصاد أو عن معنى من المعاني"
النفسية أو المادية أو غير هذا كله… وقد حافظ قسم من هذه الألفاظ على معناه الأول، فلم ينشأ تفاوت في المعنيين: اللغوي والعامي، وقسم منها عدّل بعض التعديل ولكن النسبة بين المعنيين مستحكمة على الرغم من هذا التعديل"."
... ومن أطرف تحقيقات الأستاذ شفيق جبري وأدقّها وأدلّها على سعة اطلاعه: تتبعه لبعض التعبيرات التي تجري على ألسنة العامة وإرجاعها إلى الفصيح المدوّن في كتب تراثنا، وعدم اقتصاره على الألفاظ والكلمات المفردة. ومن أمثلة ذلك ما ذكره من أن العامة في دمشق تقول (2) :"ما شبعت منه، أي من النظر إليه، إمّا لفرط جماله أو لطفه، وإمّا لحسن هيأته أو غير ذلك، وقد جاء في ذيل الأمالي ما يلي: قال الحجاج لثابت بن قيس الأنصاري: ارث ابني أبَان، فقال له: إني لا أجِد به ما كنت أجِده بحسن"
(ابن ثابت) قال: وما كنتَ تجد به، قال: ما رأيته قط فشبعت من رؤيته ..."."