فهرس الكتاب
ولا يمكن أن يدور في الخيال، أن اللغة المحكية قد توقفت، حتى في أوج القوة السياسية وازدهار الحضارة العربية الإسلامية أو أن العامية، في أكثر أوضاعها خشونة وجلافة وفي أبعد مستوياتها عن استيعاب دقائق الفكر، وتجسيد القيم السامية، قد اختفت أو زالت. وإن الذي لا شك فيه هو أن جميع هذه المستويات اللغوية كانت موجودة. وأن التمايز بينها قوةً وانتشارًا كان يخضع لعوامل التقدم وعوامل الانحطاط، لعوامل الازدهار العلمي والحضاري ولعوامل التخلف والهزائم. فلم يكن الصراع في جميع هذه الحقب، بين العربية الفصحى والعاميات العربية، وإنما كان الصراع بين القوة والضعف، بين الوحدة والتشتت، بين العلم والجهل، بين عوامل الازدهار الحضاري وأسباب التخلف ... وكانت العربية الفصحى في جميع الأحوال، بل وفي أشدها ترديًا، الهدف الأسمى الذي يسعى إليه الناس في مجال الكتابة والخطابة، تعلمًا وإتقانًا. وكانت المستويات اللغوية تتفاوت من حيث القيم والمفاهيم حسب بعدها أو قربها من اللغة الفصحى. وقد يشوب اللحن اللغة الفصحى أو يخالطها إلى حد كبير، ولكن لم يكن ذلك يعني شرعية الكتابة بالعامية. فاللحن في اللغة الفصحى شيء والعامية شيء آخر... استطاعت العربية الفصحى بما أحاطها الناس، العامَّة منهم والخاصة، من حبٍّ وتقدير واحترام، أن تخرج سليمة من محنة تأخر الأمة العربية وغوصها في ظلمات الجهل والتخلف ... ولم تشكل العاميات في بيئاتها وأقطارها المختلفة خطرًا كبيرًا ينال من اللغة الفصحى. وكلما عظمت الأخطار كانت تتراجع الفصحى إلى قلاعها الحصينة في حلقات المساجد والكتاتيب، حول القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ... وإلى المؤسسات العلمية التي حافظت على كيانها عبر العصور، في جامع القرويين بفاس، وفي جامع الأزهر بالقاهرة وفي جامعة الزيتونة بتونس، وغيرها من المراكز الثقافية والتراثية مثل النجف وبغداد ودمشق والقدس ...