فهرس الكتاب
إن هذا التيار في مسيرة العربية الفصحى هو التيار الغالب، لأنه يمثل طبيعة الحياة النامية والمتطورة. إنه يمثل القوانين العلمية لِتَطوُّر المجتمعات العربية وذلك بمعزلٍ عن إرادة ورغبات من يكيد للعربية الفصحى أو يدعم العاميات العربية عن جهل أو سوء نية أو الاثنين معًا.
كان التردي الذي أصاب العربية الفصحى في الأقطار العربية، وشيوع العاميات، نتيجة الجهل والتخلف. واستطاعت العربية الفصحى أن تجتاز قرون المحنة، بمالها من حبٍّ واحترامٍ وتقدير في نفوس عامة الناس على مختلف فئاتهم الاجتماعية . فاختفت عن المسرح الدعوات إلى إحياء العاميات وتقعيدها نحوًا وصرفًا وكتابة، واختفت أيضًا الدعوات إلى استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية وهجر كل ما هو تراثي، وفصل حاضر الأمة عن ماضيها.
وما إن انتهت الحرب العالمية الثانية، وقامت الشعوب العربية في جميع أقطارها بثورات دامية في سبيل حريتها واستقلالها حتى بدأت العربية الفصحى تستعيد سيادتها في أوطانها. ولكن بدأت سياسات لغوية مريبة، تنتقص من العربية الفصحى، واستطاعت هذه السياسات في معظم الأقطار العربية إقصاءها عن مجالاتها الحيوية في الجامعات والمؤسسات العلمية والتقنية والإدارية. ومع أن العربية الفصحى تقابل الجهل والتخلف، كما كان شأنها في الماضي، فإن تأسيس الجامعات في الوطن العربي، وازدياد أعدادها منذ منتصف القرن العشرين، حتى بلغت الآن حوالي مئة وسبعين جامعة تنضوي تحت لافتة اتحاد الجامعات العربية، وأصبح المتخرجون فيها بالآلاف، لم يؤدِّ إلى سيادة العربية الفصحى. وتغيرت طبيعة الصراع والمواجهة، إلى صراع ومواجهة سياسية. فالفصحى هي اللغة الوحيدة التي تعطي لأمتنا العربية هويتها. وهي الآن تواجه أخطارًا من نوع جديد، وأهمها: