فهرس الكتاب

الصفحة 2362 من 4462

فإذا كانت وسائل الإعلام الرسمية، أي التي تسيطر عليها الحكومات، تجد نفسها مضطرة في برامج القرآن الكريم والموضوعات الإسلامية خاصة، أن تستعمل اللغة العربية الفصحى، فإننا نرى بالمشاهدة والسماع ، كثيرًا من الفضائيات العربية ومحطات الإذاعة المحلية، تتبنى العاميات، عن سابق قصد وإصرار في سياسة مدروسة غير معلنة في كثير من الحالات. فإن المشاهد والمستمع للفضائيات العربية يلمس مدى استشراء العاميات واللهجات العامية على برامجها. وإن المتتبع لهذه البرامج يستطيع أن يدرك بسهولة، أن السياسات الإعلامية في الوطن العربي، تعمل على الانعزالية، وتوطيد دعائم الإقليمية المحلية، والنأي بنفسها عن الثقافة العربية الجامعة. وفي الوقت نفسه تمارس سياسة واقعية في الانفتاح على الثقافات الأوربية والأمريكية، وعلى لغاتها، بل وعلى أزيائها وأساليب الحياة فيها.

فهذه السياسات الإعلامية من حيث الممارسة تنطلق من واقع لغوي وتراثي وتاريخي وإسلامي موحد، ممثل بالعربية الفصحى إلى السير باتجاه التشرذم، والتفتت والتجزئة الإقليمية والمحلية ممثلٍ بالعاميات وما تحمله من قيمٍ أخلاقية واجتماعية متخلفة. ويتم هذا كله في الوقت الذي نرى فيه الدول الأوربية مثلًا، تنطلق من تعدد اللغات المختلفة والثقافات المتباينة، والتاريخ الحافل بالصراعات العرقية والمذهبية والأطماع الاستعمارية إلى إقامة وحدة اقتصادية وسياسية، والسير على طريق الوحدة الثقافية.

وخلاصة القول، فإن مسيرة بعض وسائل الإعلام العربية المقروءة والمسموعة والمرئية باتجاه الانعزال المحلي، واستعمال العاميات، لغةً محكية ومكتوبة، إنما هو تعبير عن حالة مرضية طارئة، قد تطول مدتها أو تقصر، ولكنها لا محالة زائلة بزوال أسبابها ... فهذا هو ما تمليه حقائق الأشياء. وما تقضي به نواميس تطور الأمم وتقدمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت