فهرس الكتاب
ونحن نرى في هذا الإنتاج الفقهي اتجاهين جديدين في التأليف هما ثمرة لاتساع ثقافة الفقهاء المالكية ولزيادة معارفهم بالمذاهب المخالفة: الاتجاه الأول هو الاهتمام بالخلافيات ابتداءً من اختلاف المالكية أنفسهم بين بعضهم والبعض، ثم اختلافهم مع المذاهب الفقهية الأخرى، أي ما يمكن تسميته بالفقه المقارن، وما اقتضاه ذلك من الدفاع عن المذهب المالكي في مواجهة مخالفيه. والاتجاه الثاني هو الاهتمام لا بالفروع الفقهية فحسب، بل كذلك بأصول التفكير الفقهي ومناهجه. وقد زاد هذان الاتجاهان وضوحًا في مؤلفات تالية، أهمها ما قام به في أواخر عصر عبد الرحمن الناصر فقيهان تولى كلاهما قضاء الجماعة بقرطبة، أولهما محمد بن إسحاق بن
السليم (ت367/977) وكان خلفًا في هذا المنصب للقاضي منذر بن سعيد، إذ ألف كتاب"التوصل لما ليس في الموطأ"كما اختصر كتابًا لمؤلف شرقي هو المروزي في الاختلاف. (2) والثاني هو محمد بن يبقى بن زرب (ت381/991) الذي خلف ابن السليم على قضاء الجماعة، وهو صاحب كتاب"الخصال"الذي عارض به كتابًا للفقيه الحنفي ابن كاوس بالعنوان نفسه (3) .
ويلحق بهذا النتاج الفقهي نوعان من التأليف: الأول في القضاء والوثائق. فمن أمثلة المؤلفات في هذا الميدان الكتاب الذي وضعه قاضى الجماعة بقرطبة الحبيب أحمد بن محمد ابن زياد اللخمي ثاني قضاة عبد الرحمن الناصر (ت 312/924) ، وهو بعنوان"الأقضية"في عشرة أجزاء جمع فيه الأحكام التى أصدرها القضاة
قبله (1) . وفيما يتعلق بالوثائق ننوه بمؤلفه فرج بن سلمة البلوي (ت345/956) الذي ولي القضاء والصلاة بوادي الحجارة ثم ريُّه، وكان مشاورًا في قرطبة، وهذا الميدان من الميادين التي اتسع فيها التأليف في النصف الثاني من القرن الرابع (2) .