فهرس الكتاب
التي كان يرعاها الحكم أنه على الرغم من تمسكه بمذهب الإمام مالك كان كثيرًا ما يشجع استقدام بعض الفقهاء المخالفين لهذا المذهب من المشرق ومن الشمال الإفريقي، ومنهم عبيد الله ابن عمر القيسي البغدادي الذي قدم إلى الأندلس سنة 347 (958) ، وكان قد تَفَقَّه ببغداد على كبار شافعيتها فأنزله الحكم وتوسع له في الجراية، وشجعه على التأليف حتى وفاته بقرطبة سنة 360 (971) (4) .
... ... ولم ينعكس هذا الجو من التسامح على الكثرة النسبية للفقهاء الشافعية فحسب، بل بدا ذلك أيضًا في ظهور عدد من معتنقي المذهب الظاهري. ويعد هذا المذهب أكثر تطرفًا من الشافعية ضد المالكية. فقد كان مؤسسه داود بن علي الإصبهاني (ت 270/883) يدين بإنكار القياس الذي أخذت بحجيته كل المذاهب
الأخرى، ويدعو إلى الاقتصار في استخلاص الأحكام على القرآن والسنة، وهذا يعنى توسعًا في التأويل من هذين المصدرين الأساسيين واعتمادًا أكبر على الحديث النبوي . وفي جو التسامح السائد منذ أيام الأمير محمد أقبل بعض الأندلسيين على الأخذ بالمذهب الجديد. وأولهم عبد الله بن محمد بن قاسم بن هلال (ت272/885) الذي تلمذ في العراق على داود بن علي فكتب عنه كتبه كلها وأدخلها الأندلس، ولكن رد فعل المالكية ضده كان عنيفًا وإن لم يصل الأمر إلى اضطهاده، إذ يذكر ابن الفرضي في ترجمته أن أخذه بالمذهب الظاهري"أخلَّ به عند أهل وقته" (1) . ومع ذلك فقد أخذ عنه عدد من الذين أصبحوا أئمة أهل الحديث في الأندلس مثل قاسم بن أصبغ ومحمد بن أيمن .