فهرس الكتاب
... ... على أن رد الفعل الأكبر ضد تسلط المذهب المالكي على غالبية الشعب الأندلسي لم يأت من قبل
المذاهب الفقهية المخالفة، وإنما أتى من مدرسة الحديث التي كان بقي بن مخلد (ت276/889) أيضًا حامل رايتها منذ إدخاله مسند أبي بكر بن أبي شيبة (ت 235/849) (1) ، ثم تأليفه لكتابه الذي كان مسندًا ومصنفًا في الوقت نفسه، وهو الكتاب الذي افتخر به ابن حزم في رسالته (2) .
... ... وربما بدا من الغريب أن تثور ثائرة فقهاء المالكية من أجل كتاب هو مجموعة من الأحاديث النبوية، فالموطأ نفسه إنما يستند في أحكامه إلى عدد من الأحاديث ، ولم يخطر ببال أحد من مؤسسي المذاهب الفقهية إنكار حجية الحديث النبوي، غير أنهم على تفاوت في هذا الأمر، فمالك لم يعتمد إلا على قدر محدود من الأحاديث يوردها لا لقيمتها في ذاتها، وإنما تأييدًا لآرائه
الفقهية، وكان اعتماده الأكبر على"عمل أهل المدينة"ووقف فقهاء الأندلس عند هذا الحد، على حين كان الحديث وجمعه ونقد رواياته وتمييز صحيحه من زائفه علمًا يتطور وينمو نموًّا كبيرًا في المشرق، ولا سيما في العراق حتى أصبح علمًا مستقلا من أَجَلِّ علوم الإسلام. أما في الأندلس فكان دخول بقي بن مخلد بمجموعة كبيرة من الأحاديث تضمنها كتاب ابن أبي شيبة - ولم يقصد بها خدمة الفقه على نحو مباشر ـ شيئًا جديدًا لم يألفوه فعدُّوه بدعة يجب عليهم محاربتها. وبلغ الأمر بأحد شيوخ المالكية ـ وهو أصبغ بن خليل (ت273 /886) الذي دارت عليه الفتيا على مدى خمسين سنة ـ أن يعلن القول بأنه يفضل أن يوضع في تابوته رأس خنزير على أن