فهرس الكتاب
يوضع فيه كتاب ابن أبي شيبة (1) . ولهذا لم يكن من الغريب أن نجد في كثير من تراجم الفقهاء من هذا الجيل بل ومن الأجيال التالية عبارة"وكان منحرفًا عن الحديث معاديًا لأهله" (2) . وعلى الجانب الآخر نجد بعض من وضعوا كل همهم في دراسة الحديث معرضين عن الفقه، كما يتبين مثلًا من ترجمة سعيد بن عثمان الأعناقي (ت305/917) الذي رحل إلى مصر فأخذ مسند أسد بن موسى (3) . وكان عالمًا بالحديث عارفًا بعلله ، ولكنه كان"لا علم له بالفقه"على حد قول ابن الفرضي (4) . كذلك اتجه بعض تلاميذ بقي بن مخلد من المهتمين بالحديث بفضل قراءتهم عليه إلى مذاهب فقهية
أخرى أكثر اعتمادًا على الحديث من المذهب المالكي، كما رأينا في اعتناق عدد منهم المذهب الشافعي أو الظاهري.
... ... وقد شارك بقي بن مخلد في الدور الذي اضطلع به في إدخال علم الحديث عالم آخر معاصر له هو محمد ابن وضاح (ت287/900) (5) وكان مشاركًا لبقي في كثير من شيوخه. ويقول ابن حيان في ذلك (6) :
... ..."وانتشر الحديث به [ أي ببقي بن مخلد ] من يومئذٍ بالأندلس، ورسا أصله، ثم تلاه ابن وضاح في نشر الحديث وسعة الرواية وأثالة الرياسة، فاستوسع أهل الأندلس من يومئذٍ، وصارت دار حديث ومعدن سند، وإنما"
كان الغالب على أهلها قبل ذلك رأي مالك وأصحابه، والتفقه في المسائل المدوَّنيَّة (1) ، فكانوا ينصبون لأهل الحديث ولا يرضونهم"."
غير أن محمد بن وضاح لم يثر عليه عداوة الفقهاء، إذ كان ملتزمًا بمذهب مالك منتصرًا له، ولم يحاول أن يدخل عليه شيئا من المذاهب الأخرى التي عدها المالكية بدعًا لم يألفوها.
... ... وعلى كل حال فإن دخول علم الحديث لم يضعف من قوة المذهب المالكي الذي رسخ في الأندلس بصورة أصبحت معها كل محاولة للاستبدال به أمرًا مصيره إلى الفشل. ولهذا فقد شرع الجيل التالي في العمل على إيجاد صيغة للتوفيق بين الفقه والحديث محاولين أن يجروا دماءً جديدة في عروق المذهب المالكي.