كان عدد الأعلام الجغرافية الذى تشتمل عليه رحلة ابن بطوطة يصل إلى سبعة وخمسين وتسعمائة عَلَم ، أى ما يعادل أكثر من سبعة في المائة من الأعلام التى أوردها ياقوت في معجم البلدان ، وبذلك نتصور جيّدًا مدى قوة حافظة الرجل التي استطاعت أن تستوعب كل تلك الأسماء محركةً مشكولةً مضبوطة ، دون أن يكون بين يديه مرجع أو مصدر يستعين به لاستحضارها .
... ولذلك اعتُبرت الرحلة المذكورة أغنى رحلة عربية وقفنا عليها فيما يتصل أيضا بحجم الأعلام الجغرافية التى تضمنتها، وإذا ما قارنا عدد هذه الأعلام بالأرقام التي وردت في رحلة ماركو بولو البندقي فسيظهر لنا هذا قَزَمًا أمام العملاق ابن بطوطة الطنجي !
ومن المهم أن أذكر منذ البداية أنني برجوعي إلى تحقيق تلك الأعلام فى
الجهات التى كانت توجد فيها، سواء أكانت بالقارة الإفريقية، شرقها أو غربها، أو كانت بالجزيرة العربية وما يتصل بها، أو كانت بآسيا الصغرى أو الوسطى، أو بإيلْخانية المغول في تبريز، أو بلاد السند والهند والصين ، إلى أوربا شرقيها وغربيها 000 أقول: برجوعى إلى تلك الجهات للتأكد من ضبط الأسماء الجغرافية في الرحلة كنت أكتشف ، في صدر ما أكتشف ، أن تلك الجهات وتلك الأقاليم إنما تعتمد فيما تكتبه عن تاريخها على المعلومات التى قدمها ابن بطوطة عن تلك البلاد ! وهكذا كان ابن بطوطة حاضرًا شاخصًا في كل التآليف التى تحدثت عن المواقع الجغرافية التى مرَّ بها أو جرى ذكر لها في مذكراته .
... ومِن صِدق الرجل وضبطه أنه متى لم تحتفظ ذاكرته باسم علم من الأعلام فإنه لا يتردد في الاعتراف بأنه أُنسى ذلك
الاسم وأحيانا كان يكتفي بالتعبير عن العلم الجغرافي بذكر كلمة"المرحلة"أو كلمة"المنهل"دون تعيين أو تحديد 000