فهرس الكتاب
-كلمة المجمع في تأبين الفقيد الراحل
للأستاذ فاروق شوشة عضو المجمع
سلام على إبراهيم
أيها الحفل الكريم: في الكلام عن فقيدنا الكبير إبراهيم الترزي كلام عن النفس، وحديث عن المشترك بيننا وهو كثير. كيف أُجرّده من ذاتي، لأعرضه وكأنه منفصل عني، وهو الذي صحبتهُ العمر الجميل من عُمرينا، صبًا ويفاعة وشبابًا وكهولة، منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الرحيل. صارت الصحبة الطويلة امتزاجًا وتداخلًا، واتكاءً إلى جدار راسخ لم نكن نظن أنْ سيجىء يوم يريد فيه أن ينقض. لكنه الموت وحده، يملك أن يترصدنا من داخلنا وأن يستلنا من أنفسنا. فإذا هول المفاجأة موت أكبر من الموت. ووقع البغتة أشد إيلامًا من المنية وأقسى ترويعًا للعقل والوجدان.
هأنذا أطل في داخلي. أحاول أن أستحضر صورة إبراهيم وأستعيدها كما عرفته أول مرة. كنت أخطو خطواتي الأولى في كلية دار العلوم بينما يتهيأ هو للتخرج .. يجمع بيننا الشعر والمشاركة في ملتقيات الكلية الشعرية والأدبية. وما كان أكثرها وأغناها وأحفلها بتجليات الإبداع الشعري من شعراء الكلية ومن شعراء مصر الكبار من كل لون وجنس. المدارس والاتجاهات والتيارات كلها، تتلاقى وتتفاعل في محبة ومؤازرة، لايشوبها ما يشوب الواقع الأدبي اليوم من صراعات وأحقاد وضغائن وثارات. كان جوهر الشعر الحقيقي وكيمياؤه الحقيقية الوحيدة التي نلتقي من حولها. وكل منا يصغي- وهو يتعلم- إلى غيره. وإبراهيم بيننا وجدان زكي مرهف ومتابعة يقظة وصورة للإنسان الشاعر كما ينبغي أن يكون. يملؤها جميعًا زهو بدار العلوم، ورسوخ قدمها في عالم الإبداع، وامتلاء سمائها بالشموس والأقمار.
كان إبراهيم القادم من قريته بني عامر في محافظة الشرقية هو الفتى، إشراق وجه وبهاء طلعة ونضارة محيَّا. يتقدمه جبين أشم يطامن من كبريائه تواضع جم. كأن هو الفتى الذي عناه طرفة بقوله:
إذا القوم قالوا من فتى؟ خلتُ أنني
... عنيتُ فلم أكسل ولم أتبلدِ