فهرس الكتاب
لا أظنني سأنسى ما عشت وقفة إبراهيم إلى جواري شادًّا من أزري ومشيرًا علىّ، حين بدأت في تقديم برنامج لغتنا الجميلة في مستهل شهر سبتمبر من عام سبعة وستين. كان الوَجلُ يملؤني. التفكير في شكل البرنامج وصورته لمّا يصل بي بعد إلى الهدف المنشود. وسرعان ما جعل إبراهيم من نفسه - وقد استشعر بحسه اللغوي القوي وإيمانه بالعربية أهمية الرسالة التي يتصدى لها البرنامج - جعل من نفسه مستشارًا للبرنامج- وفتح لي من خزائن مكتبته الخاصة، ومكتبة المجمع، ماهيأ لي العديد من المصادر والروافد. وراح يدلني على اللفتات والمُلح والتصويبات التي ينبغي أن أتوقف عندها، مركزًا على منجزات المجمع وقراراته العلمية. فكان برنامج لغتنا الجميلة أول برنامج يذيع على الناس كل ما يتصل بالمجمع من التيسيرات والاجتهادات اللغوية وألفاظ الحضارة ومصطلحات العلوم والألفاظ والأساليب. وبعد أربعة وثلاثين عامًا من عمر البرنامج، ألتفت الآن إلى الوراء وأقول: لقد كان إبراهيم في طليعة من أسسوا للبرنامج، واحتضنوه، وضمنوا له بداية صحيحة، في سنواته الأولى.
ولن أنسى أيضًا ما كان يفيض به إبراهيم علىّ- وأنا المسؤل الإذاعي في مواقع مختلفة- من عشرات الأفكار لعشرات البرامج الجديدة، نتلقفها منه مع مطالع كل دورة إذاعية وكل خريطة رمضانية. مخزونه من الأفكار لا ينضب، ومعينه دائم التجدد والتدفق، وحدبه على أصدقائه ورفاقه- وهم الذين يجايلونه في العمر- يجعله دومًا في موضع الأب حياطة ورعاية. كان حب الخير وحب الناس يجرى في دمه، فكيف يخونه دمه، كما قال العقاد؟.