فهرس الكتاب
ولا أظنني عرفت أحدًا، ولا أنني سأعرف في مقبل الأيام أحدًا - سيطرت عليه الفكرة المجمعية وتملكت عليه نفسه وحركته، يومه وليله، دقائق عمره وثوانيه كإبراهيم. المجمع قدس أقداسه. وهواء المجمع أنفاسه التي بها يعيش. وصحبة المجمع هي كل ثروته من الدنيا. كان أشد ما يعذبه في سنواته الأخيرة - وقد أًصبح عضوًا في المجمع عام تسعة وثمانين، ثم أمينًا عامًّا للمجمع عام ثلاثة وتسعين - أنه قد أدرك العهد الذي كانت فيه أروقة المجمع وقاعاته تزدان بالأعلام من أصحاب القامات والهامات العلية: طه حسين، والعقاد وتيمور، وعزيز أباظة، وأحمد زكي، وأمين الخولي، ومهدي علام، ومحمد كامل حسين، والباقوري، والزيات، وأحمد بدوي، وتوفيق دياب، ومصطفى نظيف، ومحمود شاكر، وإبراهيم مدكور، وغيرهم ممن كان يفاخر باقترابه منهم ثم بصحبته لكثير منهم، باعتبارهم آباءه وأساتذته مُردّدًا قول الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
... الطريف أن قائل هذا البيت لم يدر بخلده الاستعمال العصري لكلمة المجامع"جمع مجمع"وإن كان المعجم الكبير في حرف الميم لم يعترف بهذا البيت ضمن شواهده على مجمع ومجامع!
كان إبراهيم يأسى- كلما تلفت حوله- فلم يجد أحدًا من هؤلاء الأساتذة والآباء.
... هذه الفكرة المجمعية وهذا الهيام بكل ما هو مجمعي، يتجلى في ثنايا كلمته التي ألقاها في يوم استقباله عضوًا بالمجمع وهو يتحدث عن فهمه لرسالة المجمع ورؤيته للعمل المجمعي، ويقول في لغة جميلة رصينة:
"ليست عضوية المجمع جاهًا علميًّا وأديبًّا تطمح إليه الصفوة من العلماء والأدباء، وإن فاقت هذه العضوية- كل جاه علمي وأدبي".
... وليست عضوية المجمع مكانة رفيعة، تهوي إليها أفئدة أعلام الفكر في مصر وغير مصر، من عرب ومستعربين. وإن طاولت هذه العضوية في سُموها كلَّ مكانة لهؤلاء الأعلام في الشرق والغرب.