على أن إقامته بصعدة لم تخل مما يعكرها ، فقد أثارت الشهرة التي نالها والمنزلة التي حظي بها لدى رؤساء خولان حسد شعراء صعدة ، فأخذوا يدسون له الدسائس ، وكانت صعدة مقر الإمام العلوي الزيدي الناصر لدين الله أحمد بن يحيى (ت325هـ) . فنمت إليه أمور جعلته يأمر بسجن الهمداني . والمصادر التي تحدثت عن سجنه لم تأت بسبب مقنع لذلك ، جاء في بعضها أنه لهج بتفضيل قبلة قحطان على عدنان وحقر ما عظم الله ، وتجاسر على انتقاص من اصطفاه الله" ( 3) ."
ونحن نستبعد أن يقدم الهمداني على التعرض لمكانة الرسول عليه السلام فلم تكن عصبيته للقحطانية لتبلغ به هذا المبلغ، ونرجح أن خصومه من شعراء صعدة هم الذين عزوا إليه هذا الأمر ، ومن المحتمل أنهم أضافوا إلى قصيدته التي يفخر فيها بقحطان أبياتا تمس النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو صح أنه قال هذا الشعر لانفضت عنه قبيلة خولان ولما انتصرت له. والرواية الأدنى إلى الصحة هي التي تذهب إلى أن هجاء وقع بينه وبين شعراء صعدة فدسوا له عند الناصر العلوي ، فأمر بسجنه . وهذا الخبر مروي في صورة أخرى ، فقد ذكروا أن مهاجاة وقعت بينه وبين شعراء صعدة، فدسوا له عند الناصر، فكتب إلى أسعد بن أبي يعفر بصنعاء ، فأمر بسجنه . وهذا الخبر مستبعد في صورته هذه لأن المهاجاة إنما وقعت أيام كان الهمداني بصعدة . وراوي الخبر الأول هو محمدبن الحسن الكَلاعي (ت404هـ) ، وقد نقله عنه علي بن الحسن الخزرجي في كتابه"طراز أعلام الزمن في تراجم أعلام اليمن" (1) . والذي يحملنا على الشك في صحة هذا الخبر ما جاء فيه من أن شعراء صعدة الذين هاجاهم الهمداني هجوا قومه قحطان لإغاظة الهمداني. ولا يبعد، في نظرنا ، أن يكون الإمام العلوي قد غاظه تعريض الهمداني بعدنان ، وهم قوم الإمام الناصر، فاستجاب لدسيسة شعراء صعدة وأمر بسجنه .