فهرس الكتاب
وهكذا تبرز للفتى شخصية في هذا المجال كافية لأن يستقل بنفسه بعد وقت قصير، فيندب إلى هجرة من هجرات البادية التي أنشأها الملك عبد العزيز -رحمه الله- لتوطين البدو، وكانت الهجرة قريبة من قريته فعمل فيها إمامًا للصلوات، ويقص علينا في ذكرياته كيف أنه كان من فرط اجتهاده يطيل في الركوع والسجود، حتى أنه في إحدى المرات - وكانت في شهر رمضان - نام في السجدة الثانية في صلاة التراويح حتى أيقظه المؤذن فيما بعد كي يتناول طعام السحور. وكان ينتجع مع هؤلاء البدو مواطن الكلأ في الجزيرة، وقد أعطته هذه الفترة تنوعًا في التجربة الذاتية، من حيث تعرفه على النمط الرعوي في البلاد، وعلى مجتمع البدو فيه، الأمر الذي أغنى معرفته بالأرض من حيث أحوالها الطبيعية، وبالسكان من حيث الأنماط الاجتماعية التي كانت سائدة بينهم، مما يكون له أثر لا ينكر في مستقبل حياته.
وفي سنة 1348هـ (1928م) تبدأ مرحلة أخرى من مراحل حياته، ففي شهر ذي القعدة من ذلك العام يتهيأ الجاسر للحج، فينقد ( سلامة ) الجمال مبلغ (97) ريالًا ثمنًا للراحلة، ويهيئ ما يقدر عليه من المتاع ببقية ما لديه من نقود، ويفارق الإقامة في قريته فراقًا يمتد إلى آخر العمر. استغرقت الرحلة بين (البرود) وبين (أم القرى) سبعة عشر يومًا، وما أن يضع رحله في مكة المكرمة حتى يلتحق بالجندية لأيام قليلة، ثم يعلم بعزم الدولة على فتح معهد ديني هو المعهد العلمي السعودي، الذي أنشأه الملك عبد العزيز لتطوير التعليم، وتخريج متخصصين في القضاء الشرعي. فتهفو نفسه إلى الدراسة في هذا المعهد ويتخلص من أعباء الجندية ليخلص للعلم، فيلتحق بالمعهد ويتخرج منه بعد خمس سنوات.