إن الأحداث التي ألمت بالوطن العربي في مشرقه ومغربه بعد الحرب الأولى جعلت جناحي هذه الأمة في وضع مماثل: سلطان أجنبي قاهر لا يريد الأرض وحدها، ولا يريد المواد الأولية وحدها ، ولكنه يريد أن يحول بين هذا الشعب في هذين الجناحين وبين وظيفته الحضارية . يريد أن يردّ هذه الأمّة عن أن تعي ذاتها، وهو يتخذ إلى طمس هذه الذات وتذويبها كل الوسائل منفردة ومجتمعة ، الاستعمار الاستيطاني والاستعمار الفكري والاستعمار اللغوي والاستعمار الديني …الخ.
وفي الواقع وجدت البلاد العربية نفسها من شواطئ الدار البيضاء إلى شواطئ الخليج أنها هدف لقوى مفترسة ، وأنها تعاني أوضاعا متشابهة ، وأن طريقها لتجاوز هذا الطغيان طريق واحد هو طريق الحفاظ على عناصر الأصالة الذاتية ، وهي ذاتها عناصر الوحدة .
وكان من تقدير الله للشعب العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحولها وقبلها أنه تخلص في كثير من أقطاره من التبعية السياسية الصريحة بشكل أو بآخر ، ولكنه ظل مستهدفا للتبعية الثقافية وظل الحكم الغربي في السطوة الفكرية يملأ قلوب المستعمرين الأوروبيين كما يملأ عقولهم ويوجههم في مجالات اللقاء كافة .