فهرس الكتاب

الصفحة 2703 من 4462

... لهذا فإن الحديث في هذا العصر لا يجب أن يكون تكريرًا لما كان يقال سابقًا عن لغة الإعلام، من أنها لغة لا تتسق والقواعد اللغوية، فهي مشوبة بالأخطاء في النطق أو الصيغ أو الاستعمالات. فذلك أمر كان يقال عندما كانت اللغة عزيزة في نفوس أبنائها، يخجلون من الخطأ فيها، ويحرصون على تنقيتها عما عساه يشوبها من خلل أو نقص في ألسنة مستعمليها. أما في هذا العصر فقد اتسع الخرق على الراقع ، فأصبحت حياة الفصحى في حد ذاتها مهددة، والحديث عن جدوى بقائها من عدمه موضع نقاش وحوار، بل والعمل على إضعافها والقضاء عليها قد بدأ يمارس على نطاق واسع، لا من قِبَل أعدائها من الأجانب الذين كنا نعرف أهدافهم ونواياهم الظاهرة والمستترة، وإنما من قِبَل أبناء هذه اللغة أنفسهم، الذين عاشوا مرحلة من الفوضى اللغوية أدت في النهاية إلى غربة الفصحى بين أبنائها، وعدم حرصهم عليها لعدم إحساسهم بقيمتها، أو ضرورتها لحياتهم الآتية. إن البعد الاستراتيجي للغة لم يكن أبدًا ضمن اهتمامات السياسيين أو المخططين العرب، ذلك أن اللغة الفصحى مرتبطة بفكرة الوحدة العربية، التي كانت، ومازالت ، من الشعارات التي لم تتجسد على أرض الواقع، وكان الأولى أن تبدأ خطوات تلك الوحدة العربية الكبرى بالعمل على ترسيخ مبادئ الثقافة العربية الشاملة في قلوب الناس، وإحلالها مكانتها في الحياة، وفي مقدمتها تقوية اللغة المشتركة وفرض احترامها والعناية بها، ولقد كان المفكرون العرب إبان الاستعمار الغربي للبلاد العربية يظنون أن السبب في إضعاف اللغة العربية يكمن في تدخل الاستعمار، وفرض لغته الدخيلة، ومناصبة اللغة العربية العداء من منطلقات دينية وثقافية، ترمي إلى إضعاف الشخصية العربية وربطها بعجلة المستعمر، ولكن ما أن انقشع الاستعمار عن هذه البلاد حتى تبين أن العلة التي أصيب بها الوجود اللغوي العربي لم تكن بسبب من الاستعمار وحسب، وإنما كانت بأسباب كثيرة منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت