فهرس الكتاب

الصفحة 2704 من 4462

تنكر بعض أصحاب القرار للعربية وفتنتهم الوافدة ، وغفلتهم عن أهمية الفصحى، أو إصابتهم بالعمى الحضاري الذي جعلهم لا يبصرون طريقهم بين الأمم.

والغريب أنّه حتى إبّان المدّ الوحدوي العربي لم تكن اللغة العربية جزءًا مهمًّا من المشروع الوحدوي على أرضية التطبيق، وإنما كانت شعارًا يتلفظ به دون رصيد حقيقي من الممارسة، كان التفكير منصبًّا على توحيد المؤسسات السياسية دون نظر إلى البنى الثقافية الأساسية التي لا بد من وجودها لأي عمل طموح، ولذلك فإنه ما أن انهار الطموح السياسي في الوحدة، حتى تمكنت التجزئة بأظهر صورها وأعنفها، ولم يبق من مكونات الوحدة ما يقف صامدًا أمام تحطيم الذات العربية ، فانفتحت الأبواب لتشويه الوجه الثقافي العربي بمختلف الأشكال، ولم يقتصر الأمر على محاربة الفصحى بتشجيع اللهجات العامية وإعطائها الصدارة في المجال الفكري والثقافي، والاعتراف بتراث العامية الفقير على أنه نِدٌّ وصِنوٌ للتراث العربي الأصيل، الذي يحمل تجارب الأمة منذ الجاهلية إلى الآن، وإنما تعدى ذلك إلى التشكيك في الثوابت، والبحث في الأعراق والأصول وإعادة كتابة التاريخ العربي بشكل مشوَّه بعيد عن الحقيقة، وإحياء الانتماءات العرقية والطائفية، فظهرت لغات مندثرة، ودفعت إلى الصدارة لهجات خاملة محلية، وأصبحت مهمة الباحث العلمي في تراث العربية أن يمعن فيه تجريحًا وهدمًا، لا أن يبني على الصالح منه ويهمل ماعداه، وارتُكِب ذلك كله باسم حرية الرأي والبحث العلمي، وهكذا، لم يمر زمن على العرب ضعفت فيه فكرة الوحدة، وتكرست فيه التجزئة، وساد فيه قِصَر النظر الاستراتيجي العربي كما هو هذا الزمن. وتأسيسًا على هذه الظروف نجد أن فكرة تعميم الفصحى إعلاميًّا في حد ذاتها أصبحت مرفوضة عمليًّا من قبل بعض القائمين على الإعلام في بلادنا العربية، بعد أن كانت مرفوضة في السابق من قبل بعض الباحثين نظريًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت