فهرس الكتاب
لقد تكشفت الأحوال المعاصرة للبلاد العربية عن أوضاع تشبه إلى حد كبير أوضاع البلاد العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين دخل الاستعمار إلى مشرق الوطن العربي، وفرض لغته وأغرى بها الجماهير، وجعل إجادتها شرطًا من شروط الحصول على لقمة العيش، فاضطرهم إلى تعلمها، وجعلها لغة الصفوة والحظوة، وأقصى العربية عن الإدارة والتعليم ومجالات حيوية كثيرة، وإذا أخذنا مصر مثالًا على ذلك- وإليها دائمًا تسدد السهام لكونها قلب العروبة- فإننا نجد الإنجليز يبدؤون بفرض التعليم باللغة الإنجليزية منذ المرحلة الابتدائية سنة 1889م ويستمر الأمر على هذه الشاكلة مدة تقارب العشرين عامًا، ولعل من الطريف والغريب في الوقت نفسه أن يطالب النواب المصريون في الجمعية التشريعية سنة 1907م بضرورة إعادة اللغة العربية إلى مكانها الطبيعي في المجتمع بتعليم الأبناء بها منذ نعومة أظافرهم فينبري سعد زغلول - وكان ناظرًا للمعارف - في ذلك الوقت لتسفيه هذه الفكرة قائلًا"وإذا فرضنا أنه يمكن أن نجعل التعليم من الآن باللغة العربية وشرعنا فيه فعلًا، فإننا نكون قد أسأنا إلى بلادنا وإلى أنفسنا إساءة كبرى، لأنه لا يمكن للذين يتعلمون على هذا النحو أن يتوظفوا في الجمارك والبوسطة، والمحاكم المختلطة والمصالح العديدة المختلفة التابعة للحكومة، والتي يقتضي نظامها وجود كثير من الموظفين العارفين إحدى اللغات الأجنبية حق المعرفة، ولا أن يستخدموا في بنك أو مصرف ، ولا أن يشتركوا في شركة من الشركات الأجنبية التي كثر الآن تأسيسها في بلادنا ، ولا أن يكونوا محامين أمام المحاكم المختلطة، ولا مترجمين، ولا غير ذلك من كل ما يحتاج إلى البراعة في لغة أجنبية، وهو كثير جدًّا في بلادنا" ( عمر الدسوقي، في الأدب الحديث، 2/46-47) ، والدعوة إلى تعليم الأطفال اللغة الأجنبية منذ نعومة أظافرهم تتردد الآن بقوة في البلاد العربية، وقد غيرت بعض مناهج