فهرس الكتاب
قد تكون الصورة قاتمة إذا افترضنا أن حالة الانتحار اللغوي التي تمر بها وسائل الإعلام العربية المرئية والمسموعة في هذا العصر سوف تفضي بنا إلى تمزق لغوي في المستقبل، يجعل من كل لهجة عربية لغة قائمة بذاتها تستغلق على غير المتحدثين بها ، مما يعني قيام أمم عربية، وهو ما يبشر به، أو يجزم به، بعض الباحثين. فعلى هذا الأساس قامت فكرة الدولة التي تنفذ الآن على أرض الواقع، باعتبار أن كل دولة من الدول العربية لها خصوصيتها التي تختلف بها عن الدولة الأخرى. وفي هذا المجال يكون التركيز منصبًّا على أوجه الاختلاف بين كل دولة عربية والدولة الأخرى، لا على أوجه التشابه والاتفاق. وفي هذا الوضع تصور كل دولة على أنها كيان قائم بذاته منذ أقدم العصور، وفي سبيل الوصول إلى ذلك يتم نبش الماضي والنظر في تواريخ الأقاليم، فيكون العراق أشوريًّا بابليًّا، ويكون لبنان فينيقيًّا، ومصر فرعونية، ونحو ذلك، ولا تبخل الحفريات الآثارية في كل بلد عن أن تزوده بالانتماء المناسب، ومفردات التاريخ المشترك تغدو مزقًا يفخر بها بعض الشعوب دون بعض، فحرب القادسية عراقية، وغزوة مؤتة أردنية، وفتح بيت المقدس فلسطيني، وصلاح الدين عراقي، وابن دريد عماني، والهمدانى يمني، وعمر المختار ليبي، وقس على ذلك ، وينظر في الاختلافات الشعبية السائدة فتكون دليلًا على التميز لهذه الدولة أو تلك لا دليلًا على التنوع في الحضارة العربية الإسلامية.
إن ما ذكرناه من واقع تمر به البلاد العربية من الناحية الثقافية وما يمكن أن تؤول إليه إذا ما استمرت على السير في هذا السبيل، يدعونا لأن نطرح الموضوع اللغوي من وجهة نظر تختلف عن وجهة النظر الوحدوية التي أصبح يضيق بها مدعو الواقعية، أولئك الذين يقفون بأفكارهم عند الواقع باعتباره غاية يوقف عندها .