فهرس الكتاب
... كذلك قد يعترض البعض على كثير من مستحدثات الممارسات البيولوجية بأنها تدخُّل في إرادة الله . ولكنَّ ريس يرد عليهم قائلًا بأن إفادتنا من نعمة القدرة على الإبداع - التي وهبنا الله إياها- هي تقدير منا لهذه النعمة . وأنا لا أتصور أنه من المنطق السليم أن يدَّعى أحد من عباد الله أنه قادر على التدخل في إرادة الله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا . قد يكون العبد مقصِّرًا أو عاصيًا ، بل حتى كافرًا ، ولكنْ لن يكون في حوله أبدًا أن يتطاول إلى التدخل في إرادة ربِّ الأكوان والعباد وسائر المخلوقات، مطلق التصرّف فيها جميعًا، والذي لا يقع في ملكه إلاَّ ما يشاء .
... وهذه المصالحات بين العلم والقيم ، حقَّقها الغرب أخيرًا بعد صراع طويل بين العلماء ورجال الدين دام نحو خمسة قرون ، وكان له أسبابه السياسية ، كما قدمنا. ولكن العلم الإسلامي الذي تلقفته أوربا وأسست عليه حضارتها المعاصرة، كان علمًا عالميًّا موحَّدًا، وثيق الارتباط بمبادئ الدين والخلق القويم، لأن الإسلام دين الحياة في جميع جوانبها. وفي هذا يطول الكلام ، ولكنني أكتفي بالقول بأن الإسلام أقام العلم وثيق الوشائج بالمجتمع الإسلاميِّ وقيمه. فالعلم يُطلب ويُعطى في ضوء قيم رفيعة وضوابط رشيدة، ثم إنه يجب أن يكون موجهًا إلى الخير. فمن ذلك ما تعلمه المسلمون من نبيِّهِم، صلَّى الله عليه وسلم، من أن يستعيذوا بالله من علم لا ينفع . والمنفعة هنا كلمة شاملة لكل ما يحقق أسباب الخير الماديَّة والمعنوية للبشرية جمعاء، بل لبيئة الأرض التي استخلِف الإنسان لعمارتها ورعايتها، لا لتلويثها وتخريبها والإخلال بتوازنها (عبد الحافظ حلمي محمد 1997) . والعلم يجب أن يُشاع ويُذاع لينفع جميع الناس؛ ومنه قوله ، صلى الله عليه وسلم:"من سُئِل عن علمٍ فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نار".