فهرس الكتاب
... ثم جاءت مرحلة ثالثة من مراحل ضبط الكتابة العربية، عندما وجدت الحاجة ماسة إلى المخالفة بين"الشكل"الذي وضعه أبو الأسود الدؤلي بمداد مخالف لمداد الكتابة، وبين الأعجام (النقط) الذي وضعه نصر ويحيى أفرادًا وأزواجًا. فانبرى الخليل ابن أحمد الفراهيدي في العصر العباسي الأول، نهاية القرن الثاني للهجرة، لهذه المهمة الدقيقة. فاستبدل بالنقط التي وضعها أبو الأسود، للدلالة على الحركات الإعرابية، جرات قلمٍ علوية وسُفْلية للدلالة على الفتح والكسر، ورأس واوٍ للدلالة على الضم. فإذا كان الحرف المحرَّك منونًا كررت العلامة. واصطلح على أن يكون السكون الخفيف (الذي لا إدغام فيه) رأس خاء بلا نقطة (حـ) أو دائرة (ه) ، وأن يكون السكون الشديد (وهو السكون الذي يصاحبه الإدغام على هيئة رأس شين بغير نقط(سـ) واختار للهمزة رأس عين (ء) لقُرْب ما بين الهمزة والعين في المخرج ، ولألف الوصل رأس صاد (صـ) ، وللمد الواجب ميمًا صغيرة مع جزء من الدال (~ ) . وهكذا وضع الخليل علاماتٍ ثمان: الفتحة والكسرة والضمة والسكون والشدَّة والمدَّة وعلامة الصلة والهمزة . وكان هذا الإصلاح الثالث والأخير الذي جرى على الكتابة العربية حتى يومنا هذا ، ونحن في الربع الأول من القرن الخامس عشر الهجري ، وعلى العتبة الأولى من القرن الحادي والعشرين الميلادي .
... كانت هذه الإصلاحات للكتابة العربية التي تمت بين النصف الثاني من القرن الأول الهجري وبين النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، استجابة إبداعية للتحديدات المصيرية التي واجهتها اللغة العربية، عندما اختارها الله سبحانه وتعالى، لغةً أوحى بها القرآن الكريم إلى سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه .