فهرس الكتاب
اللغة العربية ، فجمعتُ هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يَفْخَرون…" (*) لم يزد ابن منظور على أن رسم لنا صورة حيَّة لِمَا أصاب العربية من هوانٍ ، بعد أن غرقت الأمة في ظلمات الجهل، والفرقة، والهزائم، وسيادة الشعوبية، واستيلاء الأعاجم على سدة الحكم، وتألقهم العسكري والسياسي، وما تبع ذلك من سيادة اللغة الأعجمية وإقْصاء العربية عن مجالاتها الحيوية في الإدارة والسياسة والحياة العامة. وأصبحت الشرائح الحاكمة وحواشيها تعدُّ"النطق بالعربية من المعايب.."… والناس من طبيعتهم سراع إلى الدنيا، يتسابقون إلى التقرب من حكامهم وساستهم ."فتنافسوا في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية ..""
... لقد قدَّم لنا ابن منظور صورة حية ودقيقة عن واقع العربية في
عصره، ولم يكن له فيها سوى صدق
النقل ودقة التعبير وفصاحة البيان. وتتوالى الهزائم العسكرية ، واجتياح التتار مشرق الدولة الإسلامية . وتشتد الحروب الصليبية في الأندلس في القرن الثامن الهجري، وفي القرن الذي يليه بعد أن طردت آخر فلوها من بلاد الشام ومصر، في نهاية القرن السابع الهجري واشتدت الفتن والصراعات الداخلية في مختلف الأقطار العربية ودار الإسلام. ونال العربية من السوء والضعف ما نالها، وما ينالها في كل مرة تتعرض الأمة للغزو الأجنبي ، والتفكك إلى دويلات طائفية أو إقليمية، ضعيفة ومتهافتة.
ويقدم لنا ابن خلدون (ت:808هـ) بعد ابن منظور بحوالي قرنٍ من الزمان، صورة أكثر تفصيلًا في"مقدمته"، فإذا كان ابن منظور لغويًّا مشهورًا، نقل لنا الصورة اللغوية كما رآها وأدركها ، فإن ابن خلدون واضع
العمران البشري ، ومؤسس علم الاجتماع الحديث، يقدم لنا تحليلًا علميًّا لهذه الظاهرة اللغوية، فيقول: