"اعلم أن لغات أهل الأمصار، إنما تكون بلسان الأمة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطين لها. ولذلك كانت لغات الأمصار الإسلامية كلها بالمشرق والمغرب بهذا العهد عربية، وإن كان اللسان العربي المضري قد فسدت ملكته وتغيَّر إعرابه . والسبب في ذلك ما وقع للدولة الإسلامية من الغَلَبِ على الأمم . والدِّينُ والمِلَّة صورة للوجود وللمُلك، وكلها مواد له والصورة مقدمة على المادة" (*) .
فمن الواضح أن ابن خلدون يفرق بين دور السيادة السياسية وآثارها اللغوية وبين سيادة الدين والملَّة، وإنْ كانا قد اجتمعا للدولة الإسلامية في صدر الإسلام، والعصر الأموي، وكذلك في العصر العباسي. فاعتبر الإدارة والسياسة والغَلَبة وما يتصل بها
من شؤون الحياة ، مواد للوجود والمُلْك، واعتبر الدين والملة صورة لهما . واعتبر التمازج الحادث عن قيام الدولة الإسلامية ، تمازج الصورة بالمادة. ويقدم ابن خلدون عامل الدين والملة على عامل الإدارة والسياسة والغَلَبة، مستندًا إلى ناموس الكون الذي يقدم الصورة على المادة في تشكيل الجوهر وإقامة كيانه.
وفي هذا التحليل العلمي اللغوي الاجتماعي ، يتوقف ابن خلدون عند الدين الإسلامي فيقول:"والدين إنما يستفاد من الشريعة وهي بلسان العرب، كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عربي، فوجب هجر ما سوى اللسان العربي من الألسن في جميع ممالكها" (1) . ويشير ابن خلدون، إشارة مقتضبة إلى دور الحكم والسياسة في المحافظة على سلامة العربية ، لغة
الدولة الإسلامية، وعلى صفائها، وذلك
بإيراده تعليمات الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذ يقول:"واعْتَبِرْ ذلك في نهي عمر رضي الله عنه عن بطانة الأعاجم، وقال: إنها خِبٌّ أي مكر وخديعة." (2)