رأى قوم أن تكون كتبهم إلى سلطانهم بأكبر الخطوط وأجلها، واختاروا الشكل والإعجام فيها. وحكوا عن بعض الخلفاء، أنه تأذى من إخلاء الكتب من ذلك في المؤتمرات وغيرها. وقال الذين اختاروا ذلك: لا نعرضهم للشكوك، ولا نكلفهم إعمال الفكر في المشكل، وأنه يجب أن نوضح لهم الشكوك ونضبط الحروف، بما يسبق معه المعاني إلى قلوبهم في أول وهلة. (*)
... ومما يلاحظ أن جميع الأمثلة الملبسة التي أوردها الصولي في الفصل الذي عنوانه:"ما قيل في النقط والشكل والخط الدقيق"، كانت حول التصحيف الذي تثيره قضية النقط.ومن الملاحظ أن نقط الحروف ما لبث أن تمثله الناس على مختلف درجاتهم، بيسر وسهولة . وسرعان ما التزم به عامة الكتاب وخاصتهم التزامًا تامًّا إلى جانب الالتزام به وبالشكل في كتابة
المصاحف وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي جميع الأحوال، فقد أصبح النقط جزءًا لا ينفصل عن الحرف.
... أما الشكل فقد بقي قضية تراوح مكانها بين من يؤيده ومن يعارضه"تنزيها لعلومهم وعلو معرفتهم". وما
زالت قضية الشكل تراوح مكانها حتى الوقت الحاضر بين مؤيد ومعارض ومن يقف بين بين، وهؤلاء الأخيرون يرون الاقتصار على"شكل ما يلبس"… ومن الواضح أن الرأي الأخير يترك الاجتهاد للأفراد. والأفراد يختلفون في أذواقهم ودرجات معارفهم، فما يلبس عند شخص ما، قد لا يلبس عند آخرين، وبالتالي لا يمكن أن تُبْنَى على هذا الرأي قاعدة يقاس عليها.
... وعلى الرغم من أن قضية الشكل طرحت في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، منذ الأربعينيات من القرن العشرين، إلا أنها بقيت تراوح مكانها. ونحن نعتقد أن قضية الشكل قضية في غاية الأهمية. فإذا كان اعتبار النقط جزءًا متممًا للحرف العربي، وأنه أصبح من المسلمات منذ قرن ، فإننا نعتبر الشكل جزءًا لا يتجزأ عن وحدة الكلمة العربية صرفًا ونحوًا وسلامة نطق .
وهذه جميعها من ثوابت اللغة، وبدونها لا تكون لغة .