فهرس الكتاب

الصفحة 2875 من 4462

... وكثيرًا ما سمعنا العلماء يصرِّحون بأن اللغة يستحيل أن يتدخل فيها الأفراد؛ لأنها ظاهرة اجتماعية؛ فلا قدرة للفرد على تغييرها بمحض إرادته. وهذا صحيح، قاله القدامى من علمائنا؛ لأن اللغة وضع من أوضاع المجتمع يتواضع عليه الناس بدون ما شعور منهم في الغالب، فلا يستطيع الفرد أن يغير من ذلك شيئًا. فاللغة لا تفرض؛ لأن جوهرها اجتماعي محض كما أن الأوضاع الاجتماعية لا تفرض بل يرتضيها المجتمع كمجتمع لا كأفراد (1) إلا أن المجتمع قد تؤثّر فيه عوامل بكيفية حاسمة، وذلك مثل ما يقوله وينشره الرجال ذوو النفوذ الفكري أو الديني أو السياسي كزعماء الفكر أو الدين أو السياسة . وعلى مثل ذلك يكون المعلم والمذيع بالنسبة إلى الأطفال والجماهير (2) .

... وفإن كانت اللغة غير قابلة لأن تفرض بالقوانين فإنها، مع ذلك، تفرض

نفسها بسهولة عجيبة جدًّا عندما تأتي على لسان المعلم والأستاذ، كما يكون لها حظ كبير من ذلك بالنسبة إلى الملايين من الناس إذا ما استعملها مذيع الإذاعة والتلفزيون. فكأن المجامع تعيش في عالم، والمدرسة والإعلام في عالم آخر. فالوضع غير الاستعمال، وعلى هذا فإن استعمال بعض الناس هو قدوة لغيرهم بحكم منصبهم ووظيفتهم، فهم أصحاب نفوذ من الناحية اللغوية (زيادة على نفوذهم الاجتماعي وغيره) . وهؤلاء هم كما قلنا، معلمو التعليم الابتدائي خاصة. والطفل الصغير إذا سمع معلمه يستعمل بكثرة لفظة لم يسمعها من بيئته غير المدرسية فإنه لا يشك أبدًا في وجودها في استعمال أكثر المثقفين. وكذلك هو الأمر بالنسبة للإعلام عند أكثر الناس وخاصة الطبقات المتوسطة فإذا سمعوا

مذيعًا يستأنسون به كلما ظهر في الشاشة ويكثر من استعمال كلمة أو عبارة أو مصطلح فإنهم يميلون إلى تبنى ذلك لثقتهم بالمذيع- كما يثقون غالبًا بما تكتبه وتنشره الصحف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت